الخميس، 23 أبريل، 2015

التطور والجغرافيا الحيوية


التطور والجغرافيا الحيوية
د/منى زيتون

مقدمة
عندما نتحدث عن الغلاف الحيوي فنحن نشير إلى أنواع الحيوانات والنباتات التي تقطن الأرض.
والجغرافيا الحيوية Biogeography: هي علم دراسة توزيع التنوع الحيوي على المكان والزمان؛ فالجغرافيا الحيوية معنية بمعرفة صورة التوزيع الحيوي، كما أنها معنية بمحاولة تحديد العوامل التي جعلت توزيع الحيوانات والنباتات على ما هي عليه.
أما الإقليم الحيوي: هو منطقة من الأرض تتميز عما يجاورها من المناطق بخصائص معينة، وتسود فيها أنواع معينة من النباتات والحيوانات.
ويُطلق مصطلح الفونا Fauna على الأنواع الحيوانية التي تستوطن منطقة معينة من الأرض، بينما يُطلق مصطلح الفلورا Flora على الأنواع النباتية التي تستوطن منطقة معينة من الأرض. قد تكون هذه المنطقة قارة بأكملها فنقول Fauna of Africa، وقد تكون بلدًا كـ Flora of Egypt، وقد تكون مجرد إقليم داخل البلد مثل Flora of Sinai.

وهناك عوامل تتدخل في توزيع الأنواع الحية، أهمها:
·        الإنسان: فدائمًا له تأثيراته المباشرة وغير المباشرة على غيره من الأنواع الحية.
·        العوامل البيئية: وتشمل جملة من العوامل الفيزيائية والكيميائية والجيولوجية والجغرافية؛ متمثلة في عوامل المناخ، والعوامل المتعلقة بالتربة من حيث خصائصها المختلفة، والتضاريس، وتوفر المياه؛ بمعنى هل البيئة مائية عذبة أم مالحة، وهل هي يابسة مطيرة أم جافة؟، وعوامل متعلقة بالضوء، وكذلك الهواء.
·        العوامل التاريخية: وأهمها الانقراض والانجراف القاري.
·        العوامل البيولوجية: وتشمل الأنواع الحية الموجودة في كل بيئة. وعادة تؤثر أنواع النباتات في منطقة ما على أنواع الحيوانات المحتمل وجودها في الإقليم وليس العكس. كما تؤثر أنواع الحيوانات على بعضها البعض.
الإنسان والبيئة:
يمكن أن نلمح أثر الإنسان السلبي في تعرية التربة، وتدمير الغابات بقطع الأشجار، وتصحر الأراضي بسبب الرعي الجائر، وكذلك أثره في انقراض بعض الأنواع الحيوانية نتيجة الصيد الجائر، ونتيجة تغييره الغطاء النباتي الذي تعيش فيه بعض الأنواع. ودوره في حرث الأراضي وتبويرها وغيره مشهود.
كما أن للإنسان في المقابل آثارًا إيجابية تمثلت أهمها في الزراعة؛ والتي هي في جوهرها عملية بناء غطاء حيوي جديد بشكل تحكمي، سواء كان هذا الغطاء نباتيًا أو حيوانيًا. وأشهر تدخلات الإنسان كانت في الغابات الآسيوية التي تم تحويل مساحات شاسعة منها إلى مزارع للمطاط والأرز. ويظهر أثر الإنسان الإيجابي في إقامة محميات طبيعية وحدائق حيوانات مفتوحة. كذلك يظهر أثره في استجلاب أنواع وسلالات نباتية وحيوانية إلى مواطن جديدة، لكن غالبًا لا يخلو الأمر من أن بعض تلك الآثار قد تكون سلبية؛ حيث قد يحدث إخلال بالتوازن البيئي، مثلما كان الحال عند إدخال الأرانب إلى جزر نيوزيلندا؛ مما أدى إلى تدمير الأشجار التي تشكل جزءًا من فلورا تلك الجزر.
زيادة السكان في البيئة أيضًا يسبب زيادة الطلب على مواردها ويؤثر على توازنها، كما اعتُبرت بعض الأنواع الحية خاصة المفترسة أعداءً طبيعية للإنسان؛ مما أثّر على توزيع تلك الأنواع. ونظرة على الخريطة الحالية لتوزيع الأسود في العالم وتوزيعها منذ ألف عام تظهر كيف تغير التوزيع وانقرضت تمامًا من أقاليم كثيرة كانت تستوطنها، والسبب الأساسي كان الإنسان.

تغير واختلاف الظروف البيئية وأثره في التوزيع الحيوي:
من خلال دراسة التاريخ الطبيعي للكرة الأرضية، والمرتبط بالفترات الجيولوجية، نجد أن كثيرًا من التغيرات الواسعة التي أدت لاختلاف توزيع الأنواع الحية قد حدثت نتيجة تغير الظروف البيئية؛ فقد تعرضت الكرة الأرضية لفترات مطيرة، وفترات جليدية، وفترات دفيئة، أثّرت تأثيرات دراماتيكية على الغطاء الحيوي؛ الحيواني والنباتي.
على سبيل المثال: لو أخذنا الماء كمثال لعامل بيئي، فقد كانت الصحراء الكبرى مطيرة في يوم من الأيام عندما كان الجليد يغطي أوروبا، وبعد انحسار الجليد إلى الشمال تحولت إلى صحراء، فانقرضت أو هاجرت أنواعًا حية كانت تعيش فيها، واجتذبت أنواعًا جديدة؛ فتغيرت بالتالي الأنواع الحية النباتية والحيوانية التي تعيش فيها.
ولو أخذنا عامل درجة الحرارة كمثال آخر، سنجد أنها تختلف في مناطق الكرة الأرضية تبعًا لظروف كل منطقة، وتلعب تشكيلة من العوامل دورًا في ذلك مثل: دوائر العرض والتي يؤثر الموقع عليها في طول النهار طوال أشهر السنة، والارتفاع والانخفاض عن سطح الأرض، وطبيعة التربة، والتي تؤثر بدورها على الغطاء النباتي النامي فيها، ومن ثم تؤثر على الأنواع الحيوانية.
الإقليم المداري في آسيا مثلًا، الذي يضم شمال أستراليا وفيتنام وأندونيسيا وسيريلانكا، تختلف الأنواع النباتية التي تعيش فيه، كونه يشمل مناطق يابسة قارية ومجموعة جزر، كما أن مستوى ارتفاع مناطقه عن سطح البحر يتباين بشكل كبير، مما يؤدي لاختلاف المناخ من منطقة لأخرى. ويلاحظ على أرخبيل جزر أندونيسيا تحديدًا أن نوع التربة يتباين بشكل كبير من جزيرة لأخرى، في أحجام ذراتها ونسبة الأملاح فيها ودرجة الحموضة وخصوبتها؛ مما أثّر في اختلاف أنواع النباتات، والتي أثّرت بدورها في أنواع الحيوانات.
وبينما نجد أشجار المطاط والكاكاو في حوض الأمازون لا نجدهما في الغابات المدارية في شمال أستراليا، ولا علاقة للأمر بالانتواع والتطور، بل السبب هو انخفاض سطح الأرض في سهول الأمازون، والذي يؤدي إلى انفتاحها أمام الرياح، مما يزيد كميات الأمطار.
والأمثلة كثيرة....

انتشار الأنواع الحية:
معروف أن النباتات يمكن أن تنتقل بذورها وأجزاء منها عن طريق الرياح والمياه والثدييات والطيور والحشرات إلى مناطق أبعد من الموطن الأصلي. وهناك أنواع نباتية أكثر قدرة من غيرها على ذلك، فهي واسعة الانتشار.
الطيور تحديدًا يمكنها أن تنقل بذور وأجزاء النباتات لمسافات بعيدة، وكذلك بعض الحشرات كالجراد. عندما تستقر النبتة في البيئة الجديدة وتتأقلم معها، تُطلق على هذه العملية اسم الهجرة Migration.
ومما يوسع قابلية النباتات للانتشار أن بذور أغلب النباتات تقاوم التأثير الضار لماء البحر عليها.
الجبال الجليدية العائمة كثيرًا ما تحمل أتربة وأحجار وأغصان مقطوعة وربما بعض البذور.
الإنسان كذلك أسهم كثيرًا في نقل نباتات من موطنها الأصلي إلى أماكن جديدة. سواء وقع ذلك عمدًا أو عن غير قصد؛ فهو من قام بنقل نباتات آسيا وأوروبا إلى أستراليا، وإلى أمريكا الجنوبية والعكس من أمريكا الجنوبية؛ مما جعل له أثر لا يُنكر في تغير توزيع الغطاء النباتي.
لكن برغم تنوع الأساليب التي يمكن أن ينتشر بها النبات في مساحات أوسع فلا زالت كثير من النباتات تنحصر في مواطنها؛ بسبب وجود العديد من الحواجز الجغرافية التي قد تواجه انتقال النباتات مثل الجبال والمسطحات المائية، وكذلك العوامل التي يمكن أن تُعيق تكيفها وتلاؤمها في بيئات جديدة، ما بين عوامل بيئية كالمناخ، ونوعية وخصائص التربة، وطبيعة العلاقات التنافسية بين الأنواع الحية التي تعيش في البيئة، وغيرها. وبقدر قدرة النباتات على تجاوز تلك العوائق بقدر ما تحقق لنفسها الانتشار في بيئات أوسع. وبالتالي تؤثر تلك التشكيلة من العوامل في تحديد قابلية نبات ما أن يستوطن بيئة جديدة.
وما يقال عن النباتات يُقال مثله عن الحيوانات؛ فهناك حيوانات تحقق انتشارًا كبيرًا، وحيوانات في المقابل تنحصر في نطاقات ضيقة.

التعاقب البيئي:
‏ظاهرة ‏‏"التعاقب البيئي" ‏ECOLOGICAL SUCCESSION‏ هي عملية تسهم في تغيير الغطاء الحيوي لإقليم ما. ويوجد منه نوعان:
·        التعاقب البيئي الأولي: ويتم في فترة زمنية طويلة، بمعنى أن البيئة جديدة لم تعمرها أي أنواع حية من قبل، كبيئة الجزر البركانية في بدء تكونها، وتُسمى الأنواع الأولى التي تغزو هذه البيئة البِكر الرواد Pioneers. ثم تبدأ أنواع جديدة في التلاؤم مع البيئة، حتى تصل إلى مرحلة لا تعود فيها البيئة صالحة للأنواع الأولى المتكيفة Pioneers.
·        التعاقب البيئي الثانوي: ولا يحتاج فترة زمنية طويلة مثل الحال في التعاقب الأولي. يتم فيه ‏إحياءبيئة‎ ‎معينة بعد أن تكون قد ‏دُمرت بفعل ‏عوامل أو تغيرات سلبية‎ ‎مختلفة، مثل حدوث حرائق؛ حيث تعود البيئة بعد زمن ‏لتعمر بأنواع حية جديدة، بينما تقل ملاءمتها للأنواع الحية الأولى التي كانت تعيش فيها.
والمعنى الضمني للتعاقب البيئي يعني أن كل أرض قد تمر ‏عليها فترات تكون غير عامرة، كما أنه قد تتعاقب عليها أنواع حية مختلفة.

العوامل التاريخية المؤثرة في توزيع الأنواع الحية:
إن كانت هناك عوامل بيئية وجغرافية تسهم في شرح توزيع الأنواع الحية على ظهر الأرض، ولماذا يكون على النمط الذي هو عليه، فهناك في المقابل عوامل تاريخية يعتقد العلماء أنها قد حدثت في عصور قديمة، وأسهمت في التوزيع، لعل أهمها: الانقراض، والانجراف القاري، والانتواع، والأخير يُعتبر عاملًا فقط لدى المصدّقين بنظرية التطور، وهو ما سنُفرد له مساحة واسعة في الشرح في الجزء الثاني من المقال، متناولين ما يتسق معه من التوزيع، وما لا يتوافق معه.

o    الانقراض:
انقراض الأنواع الحية بفناء جميع أفرادها أمر معروف في تاريخ الأرض؛ فالحفريات تدل عليه وأشهرها حفريات الديناصورات التي عُثِر عليها في أماكن متفرقة من العالم، وحفريات أسد الكهوف التي عُثر عليها داخل كهوف أوروبا، وكذلك الكتب التي ذكرت لنا عَرَضًا أنواعًا منقرضة في قرون حديثة مضت كطائر الدودو وحيوان الميجاثيريوم، كما أثبتت لنا الكتب المدونة توزع أنواع حية في قرون قديمة على مناطق لم تعد تقطنها في عصرنا الحديث، وهناك كتب عُنيت بالحيوانات كالحيوان للجاحظ، وكليلة ودمنة لابن المقفع، يُستنبط منها الكثير عن التوزيع الحيوي للحيوانات، حتى أن هناك كتابات لأرسطو وهيرودوتس أثبتت أن الأسود الآسيوية كانت تتواجد في بلاد البلقان، وروى المؤرخون استقدام أباطرة الرومان للأسود البربرية من شمال أفريقيا لقتل المحكوم عليهم بالإعدام في الحلبات.
ولو أخذنا الأسود كمثال واضح كونها من أكثر الحيوانات البرية التي جاء ذكرها في سياق الكتب والحكايات الشعبية، فالأسود كانت تتواجد منها سلالات تكاد تندثر الآن في عصرنا، وبعضها أقرب للانقراض، مثل: الأسد البربري (الأسد النوبي) (أسد الأطلسي)؛ وهو إحدى سلالات الأسود التي كانت تكثر في مصر وسائر شمال أفريقيا، والتي انقرضت في البرية أوائل القرن العشرين، وليس باقيًا منها الآن سوى أقل من 100 أسد في الأسر على مستوى العالم، وأغلبها مشكوك في نقائها جينيًا. وأسد الكهوف أيضًا انقرض من أزمان بعيدة في المناطق الشمالية من آسيا, ومعظم أجزاء أوروبا. والأسد الفارسي (الأسد الهندي) هو سلالة من سلالات الأسود، كان يمتد موطنها من اليونان وجنوب غرب آسيا عبر آسيا الوسطى وصولاً إلى الهند. واختفى من كل تلك المناطق عدا ولاية غوجارات الهندية فقط. ومن يقرأ كتب وأشعار العرب يجد الأسد العربي حاضرًا وبقوة، ولكنه اختفى من صحراء شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق، ولم يبق إلا القليل من الأسود فقط في اليمن.
وفي الكتاب المقدس: ﴿.. هو ذا قد غلب الأسد الذي من سبط يهوذا، أصل داود، ليفتح السفر ويفكّ ختومه السبعة [رؤيا يوحنا: 5:5]. وفي القرآن الكريم نجد الآية الكريمة ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ‏‏‏‏﴾ [المدثر: 50-51]‏‏ والتي ذكرها الله عز وجل لتُقرب الصورة لأذهان العرب تشبيهًا للمعرضين عن سماع الذِكر بقطيع من الحُمر الوحشية فزعت وفرّت عندما هاجمها الأسد، وهي صورة كانت منتشرة في البرية العربية منذ أكثر من ألف عام، ولا أثر لها في الواقع منذ قرون.
والدليل الأهم على حدوث الانقراض أنه لا زال مشهودًا إلى يومنا هذا. وهناك نماذج كثيرة وضعها العلماء لتفسير ظاهرة الانقراض، سبق أن تحدثنا عنها في مقال "الله الخلّاق"، ولكن ما يعنينا الآن أن اختفاء أنواع حية من مناطق بعينها يُسهم في تغيير التوزيع الحيوي.
ومن المعروف لدى العلماء أن الأنواع الثديية تحديدًا تظهر وتنقرض بمعدل أسرع عن باقي أنواع الحيوانات الخاصة بالطوائف الأخرى، مما يُسهم في تقليل درجة انتشارها على سطح الأرض، ويجعل توزيعها ينحصر في مناطق بعينها.

ويعترف الجيولوجيون بأن الالتواءات والانكسارات والثورات البركانية التي حدثت في الأزمنة الجيولوجية الغابرة قد طمست أغلب السجل الحفري للأنواع التي عمرت الأرض، وأضاعت بالتالي إمكانية كتابة تاريخ توزيع الأنواع الحية والمنقرضة بشكل كامل.

o    الانجراف القاري:
الانجراف القاري (الزحزحة الأرضية) هي نظرية تفترض حدوث انفصال بين اليابسة في عصور قديمة، ثم زحزحة للكتل المنفصلة التي شكّلت قارات العالم الحالية والجزر المنفصلة عنها إلى أن استقرت في مواقعها المعروفة.
يفترض كثير من العلماء أنه قد يكون من أسباب اختلاف الفونا الحيوانية والفلورا النباتية من إقليم لآخر ومن قارة لأخرى هو حدوث انعزال بيولوجي بعد الانجراف القاري والزحزحة المكانية، مما جعل ظروف بيئية معينة أكثر ملاءمة لأنواع ما في موقعها الجديد، بينما انقرضت من الإقليم الأول. وهي فرضية مختلفة عما يفترضه أنصار نظرية التطور كما سنرى عند شرح الانتواع.
والانجراف القاري يشكل مع الانقراض ثنائيًا يُسهم بشكل كبير في تفسير الكثير حول التوزيع الحيوي. على سبيل المثال: تنفرد قارة أستراليا بالثدييات الكيسية (الجرابية) كالكنغر، ونظرًا أنه يستحيل من خلال حفرية أي حيوان تحديد ما إن كان مشيمي أو جرابي؛ فبالتالي لا يمكن مطلقًا نفي فرضية أن الجرابيات عاشت قبل الانجراف القاري في القارات الأخرى عدا أستراليا.

o    الانتواع:
العامل التاريخي الثالث الذي قد يُسهم في تفسير التوزيع الحيوي، ولكنه يقتصر على البيولوجيين التطوريين؛ هو الانتواع.
يعتقد التطوريون أن الحياة المائية قد بدأت أولًا، ثم اكتسبت بعض تلك الأنواع المائية صفاتًا ‏وتعدّلت بالانتقال إلى اليابس. كما يفترض التطوريون أن الانجراف القاري وزحزحة القارات والجزر قد أعقبه حدوث الانعزال البيولوجي لبعض الأنواع الحية، ثم تلاه وعبر زمن طويل حدوث تعديلات في تلك الأنواع؛ بتأثير الانتقاء (الانتخاب) (الاصطفاء) الطبيعي ‏Natural Selection‏، فاختلفت الأنواع القديمة ونشأ عنها أنواع جديدة؛ فيكون الانتواع التطوري يقف خلف التوزيع الحيوي.

هذا ويكثر الخلط بين مصطلحيّ التكيف (التأقلم) ‏Adaptation، ‏وبين التطور المفترض بنشوء أنواع جديدة Evolution:
·        التكيف لا خلاف عليه؛ إذ يفترض أن أنواعًا حية كانت أكثر قدرة على التكيف مع البيئة ‏التي وُجِدت فيها، فعاشت في تلك البيئة، بينما عاشت أنواع أخرى في بيئات أخرى. على ‏سبيل المثال: تكون بنية أجسام الحيوانات والنباتات التي تعيش على اليابسة ذات هيكل ‏قوي متماسك، بينما أجسام نظيراتها التي تعيش في البيئة المائية رخوة. لكن، هل هي ‏خُلِقت على هذا النحو أم تغيرت لتكون عليه؟ هذا ما يتعدى فرضية التكيف ذاتها، ويسوقنا إلى فرضية التطوريين.‏
·        التطور يفترض ما هو أبعد من التكيف. إنه يقتضي قبول فرضية حدوث ‏تعديلات جوهرية أثناء محاولة الفرد للتكيف مع البيئة أدت لنشوء نوع جديد. ما يحاول التطوريون ‏قوله هو أن النوع الحي يتغير تغيرًا جذريًا ليكون قادرًا على التأقلم مع البيئة، وليس أنه قد ‏خُلِق ابتداءً قابلًا للتكيف معها، وأن هذا التغير يصل إلى حد نشوء نوع جديد. ‏

وقد سجل تشارلز دارون في بابين كاملين من كتابه "أصل الأنواع" استدلالاته بالتوزيع الحيوي على صحة نظريته.
وسنفرد الجزء الثاني من هذه السلسلة من المقالات لمناقشة ملاحظات دارون حول التوزيع الجغرافي للأنواع الحية، والرد عليها. والجزء الثالث لمعرفة لماذا يُنقب التطوريون عمّ يعتبرونه أسلافًا للإنسان في إثيوبيا والصومال؟!
*******************
ملاحظات دارون حول التوزيع الحيوي والرد عليها:

يتساءل التطوري جيري كوين عن الطبيعة الغريبة للنباتات والحيوانات في الجزر المحيطية، وهي الجزر في قلب المحيطات، البعيدة عن القارات، فليس لها رصيف قاري. وجوهر تساؤله كان عن لماذا تغيب أنواع عديدة من الحيوانات منها؟، مثل جزر هاواي، التي تفتقد الثدييات والزواحف والبرمائيات، وكذلك جزيرة سانت هيلينا تفتقد تلك الأنواع إضافة إلى أسماك المياه العذبة.
ثم يتواقح في حق الله تعالى قائلًا: "يبدو أن المصمم الذكي نسي أن يضع مجموعة كافية من الحيوانات في الجزر المحيطية (ليس القارية).
  It seems that the intelligent designer forgot to stock oceanic (but not continental!) islands with a sufficient variety of animals.

منذ نشأة نظرية التطور كانت لدارون ملاحظات متعلقة بالجغرافيا الحيوية، سجّلها في كتابه "أصل الأنواع" في البابين "الثاني عشر" و "الثالث عشر"، ورغم أن تلك الملاحظات لم تكن متسقة بتاتًا، بل ويمكن وصفها بأنها متعاكسة ومتضاربة، ولا تصب كلها في اتجاه صحة نظرية التطور، إلا أن دارون حاول توظيفها لأجل هذا الهدف، واحتال في أسلوب العرض السردي غير المنظم ليمزج بين تسجيل الملاحظات التي قد تتوافق مع تفسير النظرية ويُعلل في نفس الوقت لما يعاكسها.
باختصار يمكن وصف ما فعله دارون في هذين البابين أنه حاول أن يستخدم النظرية ذاتها لشرح لماذا لا يتوافق معها التوزيع في أحايين كثيرة!
ولا زال يعتبر كثير من التطوريين التوزيع الجغرافي للأنواع الحية دليلًا دامغًا على صحة نظرية التطور.

أ-ملاحظات تتسق مع فرضيات النظرية:
اعتبر دارون اختلاف الفونا والفلورا الخاصة بكل قارة وبكل منطقة دليلًا على صحة التطور. ومن الأمثلة التي ضربها وتتوافق مع هذا التصور:
·        لا يوجد اشتراك في الحيوانات الثديية بين أوروبا وأستراليا وأمريكا الجنوبية، والتي يدّعي دارون أن ظروف الحياة بها متطابقة تمامًا.
·        بينما يوجد في أمريكا نوعين من أنواع طيور الرية Rhea (النعام الأمريكي)، يوجد في أفريقيا طيور النعام الحقيقية، وفي أستراليا طيور الأمو Emu الشبيه بالنعامة ولكنه أصغر حجمًا.
·        الحيوانات القاطنة في البحرين الخاصين بالشواطيء الشرقية والغربية لأمريكا الجنوبية متباينة، مع وجود القليل جدًا من القواقع أو الحيوانات القشرية أو شوكيات الجلد المشتركة فيما بينها. كذلك 30% فقط من الأسماك الموجودة على جانبيّ قناة بنما هي نفس الأسماك.
·        توجد ثلاثة من التجمعات الحيوانية البحرية المتباينة بشكل كلي تقريبًا في اتجاه الغرب من الشواطيء الخاصة بأمريكا، بالقرب من الجزر الشرقية للمحيط الهادي. هذه التجمعات تتجول في خطوط متوازية ليست بعيدة عن بعضها البعض، تحت تأثير أجواء متطابقة.
·        ومن الحقائق العامة الخاصة بالتوزيع الحيوي: الاختلاف الضخم في التجمعات الحيوانية البحرية الموجودة على الجوانب المتضادة لجميع القارات تقريبًا.
·        الأنواع المستوطنة Endemic Kinds للجزر المحيطية، والتي لا توجد في أي مكان آخر في العالم، غالبًا نسبتها كبيرة، رغم قلة أعداد الأنواع الموجودة على تلك الجزر. جزر الماديرا على سبيل المثال يسكنها عدد مدهش من القواقع الأرضية الخاصة بها، بل وحتى أكثر الجزر المحيطية انعزالًا وصغرًا مسكونة بقواقع أرضية، وعادة بأنواع مستوطنة منها. كما يوجد 26 من طيور اليابسة على جزر جالاباجوس، منها 21 (أو ربما 23) هي طيور خاصة بها.
·        بعض الجزر المحيطية تنقصها حيوانات تابعة لطوائف كاملة، بينما تكثر فيها أنواع تابعة لطوائف أخرى. مثال ذلك: كثرة الحيوانات الزاحفة والطيور في جزر جالاباجوس، والطيور العملاقة التي لا تطير في نيوزيلندا، بينما تكاد تختفي الثدييات. والحيوانات البرمائية (الضفادع والعلجومات وسمندلات الماء) لا يمكن العثور عليها على أغلب الجزر التي تمتليء بها المحيطات، باستثناء قليل من الجزر كنيوزيلندا، ونيوكاليدونيا، وجزر أندامان، وجزر سولومون، وسيشل. علمًا بأن دارون يرجح تصنيف نيوزيلندا ونيو كاليدونيا كجزيرتين قاريتين تابعتين لأستراليا، ويُشكك بدرجة أقل في جزر أندامان وسولومون وسيشيل.

ب-ملاحظات لا تتسق مع فرضيات النظرية:
من المشهود حول العالم انتشار أنواع كثيرة من النباتات على مساحات شاسعة من اليابسة، وهذه ملاحظة لا تتوافق مع الفرضية التفسيرية لنظرية التطور مطلقًا؛ ففرضيات التطوريين غالبًا تبدأ بحدوث هجرة للنوع الحي ثم انعزال له، وفي النهاية يحدث نشوء نوع جديد نتيجة التعديلات التي يُدخلها الانتخاب الطبيعي على النوع القديم؛ وبالتالي فالمفترض وجود تباين تام بين الفلورا النباتية للقارات والجزر المنعزلة.
يقول دارون: "إنه لمن المعترف به عالميًا، أن تكون المساحة المقطونة بواسطة أحد الأنواع الحية مساحة متصلة في معظم الحالات، وأنه عندما يستوطن نبات أو حيوان بقعتين متباعدتين جدًا عن بعضهما الآخر، أو بفاصل ذي طبيعة تجعل المسافة لا يمكن قطعها بمثل هذه الدرجة من السهولة عن طريق الارتحال، فإن الحقيقة التي نحن بصددها تبدو وكأنها شيء ملفت للأنظار واستثنائي". وادّعى دارون أن هذا الانتشار الواسع ينطبق بالأساس على النباتات، لكن من الممكن تقديم القليل من الحقائق المماثلة التي تتعلق بالحيوانات الأرضية.
وأقول: لكن الحقيقة أن هذا الوضع ليس استثنائيًا، كما سنرى من مراجعة الأمثلة، فكما تنتشر كثير من الأنواع النباتية على مساحات شاسعة من العالم، توجد أنواع حيوانية كثيرة لها نفس القدر من الانتشار الواسع.

من أمثلة ذلك:
·        ذكر دارون أنه تتواجد الكثير من النباتات على جبال الهيمالايا، وعلى سلاسل الجبال المنعزلة الخاصة بشبه القارة الهندية، وعلى مرتفعات جزيرة سيلان، وعلى المخاريط البركانية الخاصة بجزيرة جاوه، وهذه النباتات تكون إما متطابقة تمامًا أو أنها تماثل بعضها الآخر، وهي تمثل في نفس الوقت نباتات خاصة بالقارة الأوروبية. هذه الأنواع النباتية توجد على القمم الخاصة بسلاسل من الجبال المتباعدة للغاية. فقط لاحظ دارون أن تلك النباتات لا يمكن العثور عليها في الأراضي الحارة المنخفضة الفاصلة بين الجبال.
·        بالمثل، فنباتات من نفس النوع تعيش على المناطق الثلجية الخاصة بجبال الألب أو جبال البرانس وفي أقصى الأجزاء الشمالية من أوروبا. والنباتات الموجودة على الجبال البيضاء في الولايات المتحدة جميعها متطابقة مع تلك الخاصة باللابرادور شرقي كندا، وهي تقريبًا متطابقة مع تلك الموجودة على أعلى الجبال شموخًا في أوروبا.
·        بعض الأنواع الحية التي تتواجد على منحدرات الجبال السفلى وعلى السهول الخاصة بأمريكا الشمالية وأوروبا متطابقة.
·        بعض من النباتات الأرومية متطابقة مع بعضها بالضبط في بقاع متباعدة موجودة في كل من نصفيّ الكرة الأرضية الشمالي والجنوبي، وتحديدًا في أوروبا وأستراليا وأمريكا الجنوبية.
·        توجد ما يتراوح بين الأربعين والخمسين نوعًا من النباتات المزهرة الخاصة بجزيرة أرض النار، والتي تكون جزءًا لا يُستهان به من تجمعاتها النباتية الضئيلة، شائعة أيضًا في قارتيّ أمريكا الشمالية وأوروبا البعيدة بشكل هائل، مثل بُعد تلك المناطق التي توجد في النصفين المتعاكسين للكرة الأرضية عن بعضهما بعضًا.
·        يوجد على الجبال الشاهقة الارتفاع الخاصة بأمريكا الاستوائية الجنوبية حشد من الأنواع الحية الغريبة التابعة إلى الأنواع الحية الأوروبية، وتحديدًا المناطق المعتدلة المناخ من أوروبا، مثل تلك الأنواع الموجودة على جبال الأورجان بالبرازيل. وكذلك توجد بعض الأنواع بها التابعة إلى مناطق القطب الجنوبي، والبعض التابع إلى مناطق جبال الأنديز على الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية.
·        وفي أفريقيا، نجد على جبال الحبشة العديد من الأنواع المميزة لقارة أوروبا، وبعض التجمعات الخاصة بمنطقة رأس الرجاء الصالح. ويوجد عند رأس الرجاء الصالح عدد قليل جدًا من الأنواع الحية الأوروبية، التي يُعتقد أنه لم يتم إدخالها إلى المنطقة بواسطة الإنسان. ويوجد على الجبال العديد من الأنواع النموذجية الأوروبية، والتي لم يتم اكتشافها في الأجزاء شبه الاستوائية من أفريقيا. وهناك أمثلة كثيرة لتشابه الأنواع في مناطق أفريقيا الاستوائية وما تحتها –وليس شمال أفريقيا- مع مناطق أوروبا المعتدلة المناخ.
·        توجد بعض الأنواع الأسترالية الحية تنتشر على طول المرتفعات الخاصة بشبه جزيرة مالاقة، وتوجد كذلك في الهند، وتمتد حتى تصل اليابان.
·        توجد على الجبال الجنوبية الخاصة بأستراليا العديد من الأنواع الأوروبية الحية، لم يتم إدخالها عن طريق الإنسان، وهي موجودة أيضًا على الأراضي المنخفضة.
·        نباتات نيوزيلندا –وتوجد في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية- قريبة للغاية من نباتات أستراليا، ولكنها أيضًا قريبة مع نباتات أمريكا الجنوبية رغم البعد الشاسع بينهما، ولا يظهر تأثير الانعزال المفترض فيها.
·        ذكر دارون أيضًا أن هناك 25 نوعًا من الطحالب البحرية شائعة في نيوزيلندا وفي أوروبا، ولكن لم يتم العثور عليها في البحار الاستوائية الواقعة بينهما.
·        بالنسبة للحيوانات البحرية؛ هناك حقيقة ذكرها دارون، وهي أن نيوزيلاندا تحظى بتشابه أقرب في حيواناتها القشرية مع بريطانيا. وكذلك فإن الحيوانات القشرية وبعض الأسماك والحيوانات البحرية الأخرى شديدة القربى، تستوطن البحر الأبيض المتوسط والبحار الخاصة باليابان، رغم كونهما منفصلين تمامًا بقارة آسيا كاملة ومساحات واسعة من المحيط. كذلك توجد علاقات قربى في الأنواع البحرية الواقعة على الشواطيء الشرقية والغربية لأمريكا الشمالية.
·        يوجد تشابه، بل تماثل، في حيوانات المناطق القطبية في العالم القديم والعالم الجديد.
·        أنواع حيوانات الكهوف العمياء هي ذاتها دون اختلاف في أمريكا وأوروبا.
·        حتى الجزر التي بشكل عام توجد في كثير منها أنواع خاصة بها، لا يمكن أن نُسلِّم بأن هذه قاعدة. توجد جزر بها نفس أنواع الطيور القادمة من القارات المجاورة، ولا يوجد فيها أي طائر مستوطن، وأشهرها جزيرة برمودا، والتي تقع على نفس المسافة من أمريكا الشمالية، التي تفصل جزر جالاباجوس عن أمريكا الجنوبية، وتتمتع برمودا بتربة خاصة جدًا، ولا يوجد بها أي طائر مستوطن، رغم أن عددًا كبيرًا جدًا من طيور أمريكا الشمالية تزور هذه الجزيرة. ونفس الشيء يُقال بالنسبة لجزر الماديرا، التي يقطنها 99 نوعًا من الطيور، منها نوع واحد خاص بها، بالرغم من أنه قريب النوع من الطيور الأوروبية.
·        ومن أشهر أمثلة انتشار الأنواع الحية: الانتشار الواسع لأنواع المياه العذبة. يعترف دارون بأنه: "بما أن البحيرات وشبكات الأنهار منفصلة عن بعضها الآخر بواسطة حواجز من اليابسة، فإنه قد كان من المحتمل أن يتطرق إلى الذهن أن منتجات المياه العذبة لن تستطيع أن تألف بشكل واسع في النطاق الخاص بنفس القُطر، وبما أنه من الواضح أن البحر يمثل حاجزًا أشد مناعة، فإن ذلك كان من شأنه أن يمنعها من الامتداد إلى الأقطار البعيدة، ولكن الأمر على العكس من ذلك تمامًا. فإن الأمر لا يقتصر فقط على أن العديد من الأنواع الحية التي تعيش في المياه العذبة، والتابعة لطوائف مختلفة، تتمتع بمآلف شاسعة، ولكن هناك أنواعًا متقاربة منها تنتشر بشكل ملحوظ في جميع أنحاء العالم".
                   i.            نفس الأنواع من الأسماك الخاصة بالمياه العذبة تتواجد في قارات متباعدة عن بعضها البعض، على سبيل المثال: يستوطن سمك الجالاكسي الهزيل تسمانيا ونيوزيلاندا وجزر الفوكلاند والأرض القارية الخاصة بأمريكا الجنوبية. كما أنه كثيرًا ما تنتشر أسماك المياه العذبة بشكل واسع في نفس القارة، ومن الممكن أن يوجد في اثنين من الأنهار المتجاورة بعض الأنواع المتطابقة، علاوة على البعض الآخر المختلف بشكل كامل. كما اعترف دارون أن بعض أسماك المياه العذبة تابعة إلى أشكال حية ضاربة في القدم.
أي أنها قديمة بما يكفي، ومنعزلة في أنهار العالم بما يكفي لحدوث انتواع إن كان حقًا يوجد مثل هذا الانتواع، ولكنها باقية على حالها.
                 ii.            قواقع المياه العذبة أكثر تشابهًا من الأسماك، فهي سائدة في جميع أنحاء العالم. يعترف دارون بأنه: "قد سبّب لي انتشارها الكثير من الارتباك في أول الأمر، وذلك لأنه من غير الوارد أن بويضاتها قد تم نقلها عن طريق الطيور. كما أن البويضات، علاوة على الأشكال البالغة، يتم قتلها على الفور بواسطة مياه البحر".
               iii.            نفس الشيء فيما يتعلق بنباتات المياه العذبة التي تنتشر أنواعها بشكل واسع فوق كل القارات وإلى أقصى الجزر المحيطية بعدًا.

·        بوجه عام يوجد الكثير جدًا من أنواع الطيور التي تطوف حول العالم، وكذلك الكثير من أنواع الحيوانات الثديية، وأنواع من الفراشات والخنافس وغيرها، حتى مع تغير السلالات أحيانًا.

تفسير دارون لملاحظاته حول التوزيع الجغرافي، وتعقيبات عليه:
بسبب كل هذه الملاحظات المتعاكسة، فقد ادّعى دارون ادّعاءات أيضًا غير متسقة لتفسيرها.

أثر الانعزال:
يذكر دارون أن التوزيع الحالي للأنواع الحية لا يمكن تفسيره على أساس الاختلافات الموجودة في الظروف المادية التي تعيش فيها الأنواع الحية. تعد أشهر أمثلة ضربها دارون على هذا هي:
·        رغم التنوع الشديد في الظروف المادية في أمريكا الجنوبية ما بين مقاطعات رطبة، وصحار قاحلة، وجبال شامخة، وسهول مُعشبة، وغابات، ومستنقعات، وبحيرات، وأنهار عظيمة، في ظل جميع درجات الحرارة تقريبًا، لكن هذه المناطق تتشابه التجمعات الحيوانية بها مع المناطق المحيطة بها.
·        بمقارنة الأنواع الحية التي تحيا في ثلاث قارات مختلفة فيما بين خطوط العرض من 25º إلى 35º. يقول دارون: "في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، إذا ما قمنا بمقارنة قطع كبيرة من الأراضي الموجودة في أستراليا وجنوب أفريقيا والجزء الغربي من أمريكا الجنوبية، تقع ما بين خطوط العرض من 25º إلى 35º، فإننا سوف نجد أجزاءً متماثلة إلى حد كبير في جميع الظروف الخاصة بها، إلا أنه من غير الممكن أن نشير إلى وجود ثلاثة من التجمعات الحيوانية أو النباتية المختلفة عن بعضها بصورة أكبر من الموجود فيها. أو مرة أخرى، فقد يعنّ لنا أن نقارن بين الأنواع الخاصة بأمريكا الجنوبية جنوبيّ خط العرض 35º مع تلك الموجودة شماليّ خط العرض 25º، والتي هي بالتالي مفصولة عن بعضها بمسافة عشر درجات عرض، وهي بالتالي تكون معرّضة لظروف مختلفة بشكل أكبر، إلا أننا نجدها متقاربة مع بعضها بشكل أكبر بالمقارنة إلى تقاربها مع الأنواع الخاصة بأستراليا وأفريقيا التي تقع تقريبًا تحت تأثير نفس المناخ".

                               i.            ودارون هنا يشير إلى تأثير الانعزال إلى أقصى حد ممكن في اختلاف الأنواع الحية؛ حيث فسر اختلاف الحيوانات في بيئات يراها متشابهة مناخيًا –دون أخذ أي عوامل بيئية أخرى في الاعتبار- بالانتشار لأسلاف قديمة لها، ثم الانعزال مما أتاح لها أن تتطور في مجاميع كل منها على انفراد نتيجة حدوث تعديل بسبب التنافس على البيئة، ويفترض وفقًا لنظريته أن الهجرة والانعزال كانا بداية لنشوء أنواع جديدة سببت تلك الاختلافات الملحوظة بين الفونا والفلورا في القارات الثلاث.
                             ii.            ولا زال التطوريون يفسرون ذلك الاختلاف بين فونا الإقليم المداري في القارات، وأي اختلاف مماثل، بانعزال العشائر، هذا التفسير يبدو غير مفهوم؛ فالغريب أن يُفترض أن البيئة في القارات الثلاث واحدة ومع ذلك ستكون نتيجة محاولة تكيف العشائر المتشابهة معها مختلفة مما سيخلق فونات مختلفة!، فمن أين أتى الاختلاف؟!
                           iii.            يذكر دارون في بدايات الباب الثاني عشر أن الكمية الخاصة بالتعديل الذي يحدث في الأنواع المختلفة لن تكون متماثلة في المقدار، متحدثًا عن دور الانتخاب الطبيعي في إطار مدى نفع التعديلات لكل فرد أثناء الصراع من أجل البقاء. ثم يضيف: "إذا كان من المقدر لعدد من الأنواع الحية، بعد حدوث تنافس بين بعضها الآخر لمدة طويلة في موطنها القديم، أن تهاجر على نحو جماعي إلى قطر جديد، وتصبح بعد ذلك معزولة، فإنها سوف تكون معرضة لحدوث تعديل فيها". مرة أخرى يؤكد دارون أن الهجرة والعزلة أي منهما بمفرده لن يحدث أي شيء، ويركز على جذب الكائنات الحية إلى إقامة علاقات جديدة مع بعضها البعض والتنافس بينها على البيئة.
                           iv.            ادّعى دارون أن الأنواع التي لم تحدث عليها تعديلات قد تمت هجرتها على نحو جماعي، وبالتالي لم يحدث اضطراب كبير في علاقاتها المتبادلة. الاختلاف يعتمد على الوصول المتكرر لمهاجرين غير معدلين من موطن الأسلاف، التي قد تم التهاجن المتبادل بينها وبين الأنواع القاطنة في المنطقة. هنا يشير دارون إلى دور التهجين أو ما يُعرف بالانتخاب الصناعي في حدوث التطور، وهو خلط معروف عنه، فتحسين سلالة أي نوع حي بالتهجين لا علاقة له بنشأة نوع جديد. والسلالة الجديدة من النوع ليست نوعًا جديدًا. ورغم أن دارون يشير إلى أثر التهجين في تحسين سلالة جياد السباق البريطانية لتوضيح الفرق بين الحالتين، إلا أن الخلط لا زال قائمًا.

·        وضع دارون قاعدة عامة عندما قال: "إنه لمن الواضح أن الأفراد التابعة لنفس الأنواع الحية، بالرغم من أنها تستوطن حاليًا مناطق بعيدة ومنعزلة، إلا أنه من المحتم أنها قد انبثقت من بقعة واحدة، وهي التي قد تم فيها نشوء آبائها في أول الأمر، وذلك لأنه من الأشياء غير القابلة للتصديق أن تكون الأفراد المتماثلة قد تم إنتاجها من آباء متباينة عن بعضها بشكل نوعي". ولكنه هنا كان يتحدث عن التشابه المورفولوجي (الظاهري) بين الأنواع لتحديد درجة القرابة المفترضة، لأنه في عصره لم تكن قد صيغت مباديء علم الوراثة، ولم يكن لديه أدنى معرفة بالجينات ودرجة التشابه الجيني بين الأنواع.
                                      i.            وهنا لنا وقفة كبيرة؛ فإن كان دارون قد اعتبر اقتصار وجود الثدييات الجرابية (الكيسية) كالكنغر على أستراليا من أقوى ما يستدل به على التأثير المفترض للانعزال، ولا زال التطوريون من بعده يفعلون؛ إذ يفترض التطوريون أن السلف المشترك الذي أتت منه الأنواع الثديية المشيمية التي تسكن قارات العالم، والأنواع الجرابية التي تسكن أستراليا، قد عاش قبل أزمان سحيقة قبل زحزحة القارات، فما ليس مفسرًا في ضوء نظرية التطور، بل ويضربها بعمق، ما أظهرته دراسات DNA الحديثة من نتائج تظهر التقارب الجيني بين المشيميات والجرابيات، وبالتالي لا تتوافق إطلاقًا مع ما اقترحه دارون في شجرة التطور بخصوص الجرابيات وانعزال سلفها القديم في أستراليا منذ زمن زحزحة القارات.
                                    ii.            ونظرًا للتقارب الجيني بين الجرابيات والمشيميات، ولأن التطوريين لا يملكون فرضية أخرى غير الانعزال الذي سبق حدوث التعديلات المفترضة؛ اضطر التطوريون الجدد لاقتراح فرضية عجيبة وهي: أنه رغم أن هذين القسمين من الثدييات قد تفرعا قديمًا عن سلفهما المشترك، إلا أنهما سلكا مسلكًا تطوريًا متشابهًا!، ومن هنا يوجد تشابه جيني بينهما رغم الانعزال البعيد لكل منهما!. تم تسمية هذا الشكل المفترض من التطور، الذي يعبر عن تقارب جيني لأنواع بعيدة تمامًا على شجرة التطور بـ "التطور التقاربي"!.
                                  iii.            أما الأشد غرابة هو الإيحاء بوجود ظروف بيئية مختلفة في قارة أستراليا جعلت انعزال ذلك السلف المشترك فيها يتطور إلى ‏الثدييات الكيسية، والمفترض في حالات كتلك أن يوضع نموذج تفسيري من خلال الملاحظات العلمية المتجمعة عن ماهية ‏تلك الظروف المدّعاة، ولكن هذا النموذج التفسيري غائب وسيظل غائبًا لأنه ببساطة لا توجد أدنى ملاحظات لأي عامل قديم أو حديث يمكن أن يؤدي لذلك التغير المزعوم.

ولكن دارون الذي أسرف في الحديث عن الانعزال عجز بكل معنى الكلمة أن يُفسِّر حقائق يُظهرها التوزيع الجغرافي لتباين واضح في الأنواع بين مناطق متصلة، بل شديدة الاتصال، على سبيل المثال:
·        الركن الجنوبي الشرقي والركن الجنوبي الغربي من قارة أستراليا بهما نفس الظروف المادية ‏تقريبًا، إضافة إلى أنهما متحدان عن طريق أرض متصلة، فكلا الركنين هما جزء من قارة ‏أستراليا، ومع ذلك فالفونا الحيوانية والفلورا النباتية متباينة تمامًا بينهما!؛ فأعداد هائلة من ‏الحيوانات الثديية والطيور والنباتات تستوطن هذين الركنين. ونفس الشيء يُقال عن الفونا ‏الحيوانية التي تقطن الوادي العظيم والمفتوح والمتصل الخاص بالأمازون!‏
·        فسّر دارون وجود ثلاثة من التجمعات الحيوانية البحرية المتباينة بشكل كلي تقريبًا في اتجاه الغرب من ‏الشواطيء الخاصة بأمريكا، بالقرب من الجزر الشرقية للمحيط الهادي رغم أنها تعيش تحت تأثير أجواء متطابقة، بأنها مفصولة عن بعضها البعض بواسطة حواجز لا سبيل إلى اجتيازها سواء عن طريق اليابسة أو عن طريق البحر، بينما عند مزيد من التقدم في اتجاه الغرب من المحيط الهادي رأى دارون أنه لا توجد أي عوائق غير قابلة للاختراق، وكان هذا تفسيره لعدم وجود تجمعات حيوانية بحرية محددة ومتباينة عن بعضها. إن مجرد التفكير في تطبيق مفهومه عن الانعزال في حالة حيوانات البحر أجده عجيبًا!، هل يتكرم أحد التطوريين فيفهمني كيف تنعزل حيوانات البحر؟

حالات استثنائية!:
·        بالرغم من توسع دارون في الحديث عن الانعزال إلا أنه قد اعترف أيضًا بأن هناك أنواعًا تستوطن مناطق بعيدة ومنعزلة –بل ولأكثر أرجاء العالم بعدًا-، وتتوزع عليها على تباعدها، ولا يخلو السياق من أن يعترف دارون أن بعض الأنواع الحية قد احتفظت بنفس الطابع منذ عهد ‏جيولوجي بعيد بدرجة هائلة، كما أن هناك بعض الأنواع الحية قد ارتحلت على مدى مسافات ‏شاسعة، ولم تُعدل بشكل كبير، أو بأي شكل من الأشكال، ومع ذلك فهو يتبجح كثيرًا بأنه من المتعذر أن يُفسر الخلق الخاص هذا الانتشار!.‏
·        ويتهرب دارون من المناقشة التفصيلية لتلك الحالات التي أسماها استثنائية في التوزيع –على كثرتها- قائلًا: ‏‏"إنه لسوف يكون شيئًا مملًا بشكل لا أمل فيه أن نناقش جميع الحالات الاستثنائية الخاصة ‏بالأنواع الحية نفسها، التي تعيش حاليًا في بقاع متباعدة ومنعزلة عن بعضها، وأنا لا أدعي للحظة ‏واحدة أنه من الممكن تقديم أي تفسير خاص بحالات عديدة".‏
·        ولكنه يؤكد –دون دليل، ولمجرد أن نظريته تفترض هذا- أن هذه الأنواع قد انبثقت من بقعة واحدة، ومن سلف واحد، بالرغم من تأكيده على أن الحواجز الطبيعية تلعب دورًا كبيرًا في كبح الهجرة، ولمحاولة تفسير ذلك التعاكس في المشاهدات ادّعى دارون أنه لا الهجرة ولا العُزلة قد تؤدي أي منها بمفردها إلى إحداث أي شيء. واحتج دارون بأن الوراثة هي السبب الذي بمفرده، على المدى الزمني الطويل، يستطيع إنتاج أنواع حية متشابهة، أو متشابهة تقريبًا، ويعزو التعديل الحادث إلى الانتخاب الطبيعي، وبدرجة أقل إلى ما أسماه التأثير المؤكد للظروف المادية المختلفة!.
·        ورغم أن دارون يعترف أن الانتشار في أنحاء العالم نراه باديًا للعيان في كثير من الأنواع الحية، لكن دارون يعود ليفترض أن المدى الذي وصلت إليه عملية التعديل التي يتخيلها يكون مؤثرًا، ويمكن أن يحدث تمايز للسلالات من نفس النوع، وبالتالي مع الزمن سوف يتم تصنيف سلالتين من نوع واحد مستوطن في أمريكا وأوروبا على أساس أنهما نوعان متباينان.
                      i.          وهنا يبدو كلام دارون أقرب إلى العبث، فهو لم يفسر لنا تفسيرًا حقيقيًا السبب في عدم تأثير الانعزال على كثير من الأنواع، وبقائها على حالها، والذي سبق أن افترض أنه يؤثر ويكون بداية لاختلافات تصل إلى حد الانتواع!، وعلى أي أساس قد تُحدث أو لا تُحدث الطبيعة –وفقًا لنظريته- تعديلات في الأنواع الحية بعد الانعزال إن لم يكن للظروف المادية أثر قوي؟ وهل علاقات التنافس التي افترضها بين الأنواع كافية لتحديد إن كان سيحدث تطور؟، ولم لا يفترض أن أثرها في تغير التوزيع الحيوي سيكون في اختفاء بعض الأنواع من بعض المناطق، وليس في ظهور أنواع جديدة.
                   ii.          كما عبث دارون كثيرًا بمصطلحيّ الهجرة وكبح الهجرة، فعندما يكون مطلوبًا تفسير الانتشار الواسع للأنواع رغم الحواجز الطبيعية يتوسع في محاولات إيجاد سبل لتفسير الانتشار، رغم أن الانتشار الواسع يتطلب بالضرورة وفقًا لنظريته ضعف الحواجز الطبيعية. ورغم أن البحيرات وشبكات الأنهار منفصلة عن بعضها بواسطة حواجز من اليابسة، كما أن البحر يمثل حاجزًا أشد مناعة، فلتبرير وجود نفس الأنواع من أسماك المياه العذبة في قارات مختلفة وأراضي بعيدة، حاول أن يعزو انتشارها بشكل أساسي إلى التغيرات التي قد حدثت في مستوى اليابسة في العصر الحديث، والتي قد تسببت في فيضان الأنهار الواحد منها تلو الآخر. كما ذهب دارون إلى أن أسماك الأنهار تلك انتقلت إليها عبر البحار؛ كون كثير من أنواع المياه المالحة يمكن أن تعتاد المعيشة في الماء العذب، وتحديدًا ذكر أنها "ترتحل إلى مسافة طويلة على طول السواحل الخاصة بالبحر". وهذا يخالف أبسط قواعد علم التصنيف التي تُصنف تلك الأنواع واسعة الانتشار في أنهار العالم على أنها بالأساس أسماك مياه عذبة، كما أن انتقالها –إن حدث- على طول السواحل لن ينقلها إلى قارة بعيدة!
                  iii.          ولكن بينما تغاضى دارون عن كون البحر حاجزًا طبيعيًا يقف أمام انتشار أسماك المياه العذبة، لم يستطع أن يدّعي ذلك في حالة القواقع التي تعيش في المياه العذبة فقط وتقتلها مياه البحار. دارون المتمسك بنظريته –والذي حدد الاستنتاج قبل استقراء المعطيات- حاول أن يبرر نقل القواقع وبويضاتها عن طريق الطيور، مع علمه أن ذلك غير ممكن سوى في حالة الانتقال مباشرة من ماء عذب إلى ماء عذب آخر، دون وجود ماء مالح أو يابسة كحلقة وسيطة.
                 iv.          أمر آخر سجّله دارون، واعتبره غريبًا، ويُعاكس الدور الذي اجتهد أن يتوسع فيه لوسائل انتشار النباتات تحديدًا. لاحظ دارون أن جلودًا حيوانية وصوفًا وأغراضًا أخرى، كان من المحتمل أنها تحمل بذورًا، قد تم استيرادها بشكل كبير إلى أوروبا في غضون القرون الأخيرة من منطقة لاباتا ومن أستراليا، وكان هذا تعقيبًا منه على ملاحظته عدم قدرة الأنواع في النصف الجنوبي على التأقلم والانتشار في النصف الشمالي من الكرة الأرضية. ومع أن هذا المثال يوضح فشل وسائل الانتشار العفوية للنباتات في التوسع إلى الحدود التي افترضها، فإنه فقط سجّل تعجبه من الأمر، ولم يُفسره.

أثر الظروف المادية:
·        بالرغم من محاولات دارون التقليل من شأن الظروف المادية، ومن تأثيرها على توزيع الأنواع الحية، فقد اعترف بوجود تأثيرات خاصة بالتغيرات العظيمة للمناخ في جميع أرجاء العالم على التوزيع الجغرافي، وحاول تطويعه، وبناء افتراضات عليه لخدمة نظريته! مثلًا:
                 i.                فسر دارون تماثل النباتات على قمم جبال أمريكا الشمالية وأوروبا الوسطى بأنه في زمن جيولوجي حديث جدًا عاشت تلكما المنطقتان تحت تأثير مناخ قطبي.
               ii.     كما زاد دارون عاملًا آخر لتفسير تشابه الأنواع الخاصة بقارتيّ أمريكا الشمالية وأوروبا، فذكر أنه في خلال مراحل الحقبة الجيولوجية الثالثة كانت الأنواع بأوروبا وأمريكا حميمة التقارب لأن الأجزاء الشمالية الخاصة بالعوالم القديمة والجديدة، كانت متحدة بشكل متصل تقريبًا عن طريق اليابسة التي تم استخدامها كجسور، مما أتاح  الارتحال المتبادل للأنواع الحية.
             iii.     وركز كذلك على أهمية دور العصر الجليدي الأخير، والذي سمح من وجهة نظره للأنواع الخاصة بنصفيّ الكرة الأرضية الشمالي والجنوبي بالاختلاط والارتحال ليفسر الانتشار الواسع لكثير من الأنواع الحية خاصة النباتية. وذكر تحديدً "وبهذا الشكل، فإنه يجب أن يكون لدينا البعض القليل من الأنواع المتطابقة تمامًا في النطاقات المعتدلة المناخ الشمالية والجنوبية، وعلى الجبال الخاصة بالمناطق الاستوائية الوسيطة بينهما". لكن هناك مشكلتين تظهران؛ وهما أن الأنواع المتطابقة في الشمال والجنوب ليست قليلة عددًا ونوعًا، كما أنها تختفي في الغالب في المناطق الوسيطة!، وكالعادة كانت فرضية حدوث تعديلات غيّرتها حاضرة.
            iv.     كرّر دارون أكثر من مرة خلال إدراجه تفسيراته وجود جزر في أزمان سابقة كانت موجودة كأماكن للتوقف أثناء الارتحال المفترض للأنواع.
              v.     إن كان دارون يرى أن عدم تطابق أنواع الحيوانات الثديية في أوروبا وأستراليا وأمريكا الجنوبية ‏هو دليل على صحة التطور، لكن المشكلة أن العدد الأكبر من الأنواع الحية المتطابقة في بقاع متباعدة موجودة في كل من نصفيّ العالم الشمالي والجنوبي وتحديدًا في ‏أوروبا وأستراليا وأمريكا الجنوبية هي أنواع نباتية، بينما لا يوجد اشتراك في الحيوانات الثديية بين القارات الثلاث، والتي يدّعي دارون أن ظروف الحياة بها متطابقة تمامًا. حاول دارون هنا أن يعزو الأمر إلى أن الثدييات لا يمكنها الارتحال ومن هنا نشأ التباين، بينما النباتات لها وسائلها المتنوعة التي تساعدها على الانتشار. علمًا بأن الثدييات بإمكانها المشي فوق الجليد! إن كان الاختلاط قد حدث في العصر الجليدي، كما أنه باعتراف دارون فإن كثيرًا من الأماكن التي تمتد فيها مياه البحر حاليًا، من المحتمل أن تكون قد شغلتها اليابسة في فترة سابقة لتربط فيما بين جزر أو بين قارات، وتسمح بالتالي للأنواع الأرضية أن تمر من واحدة للأخرى، وقد سبق وادّعى دارون أن أوروبا وأمريكا الشمالية كانتا متصلتين عن طريق اليابس، لكن دارون يفترض أنه عندما ارتحلت أنواع العالم القديم -الحيوانية بشكل خاص- اختلطت مع الأنواع الأمريكية، وحدثت تعديلات عليها. دارون يتلاعب بالارتحال والانعزال لتفسير ما قد قرره أصلًا، وتوفيق التوزيع مع نظريته.

تفسير توزيع الأنواع الحية على الجزر:
·        اعترف دارون بوجود صعوبات تفسيرية فيما يتعلق بالأنواع الحية التي تقطن الجزر.
                               i.            الأنواع الحية التي تقطن الجزر المحيطية قليلة في العدد بالمقارنة مع تلك الموجودة على مساحة قارية مساوية سواء أخذنا في الاعتبار أنواع النباتات أو الحشرات. عند عرضه أمثلة عن هذا الأمر، مثل جزيرة سانت هيلينا يذكر دارون أن "النباتات والحيوانات المتأقلمة قد أبادت تقريبًا أو أبادت تمامًا العديد من الأنواع المحلية". ودارون هنا كان يعني تحديدًا أن هناك أنواعًا كثيرة قد جلبها الإنسان إلى بيئة تلك الجزر، فالنباتات المستوطنة توجد حاليًا في مناطق قليلة فقط من جزيرة سانت هيلينا، بسبب وصول البشر إلى الجزيرة في بداية القرن السادس عشر. ولكن السؤال الهام: ما علاقة هذا بالانتواع؟، إلا إن كان إشارة لأن الظروف المادية في تلك الجزر تناسب أنواعًا أخرى غير موجودة على تلك الجزر، وذلك من أجل مزيد من تهميش الظروف المادية وتأثيرها على التوزيع الجغرافي للأنواع.
                             ii.            فسّر دارون وجود كثير من الأشجار على الجزر المحيطية بأنها تطورت غالبًا من أشكال عشبية، بدون أدنى دليل!
                           iii.            فسر دارون انتشار أنواع القواقع الأرضية المستوطنة حتى على أكثر الجزر المحيطية انعزالًا وصغرًا رغم أنه من المعروف أن مياه البحار تقتلها، وبالتالي يستحيل نقلها عبر البحر، بأنه لا بد أن يكون هناك بعض الوسائل غير المعروفة الفعّالة الخاصة بانتقالها. واقترح منها الطيور وأخشاب الأشجار المنجرفة في البحر.
                           iv.            معروف أن البرمائيات تقتلها مياه البحار، وبالتالي يستحيل نقلها عبر البحر، وأغلب الجزر المحيطية تخلو من البرمائيات، ونظرًا لأنه قد تم إدخال الضفادع إلى بعض الجزر المحيطية كجزر الماديرا، واستطاعت التكيف مع الظروف البيئية، بل وتضاعفت أعدادها إلى درجة أن أصبحت مزعجة، فقد استبعد دارون فرضية أن الظروف البيئية المادية في الجزر المحيطية لا تناسب تلك الأنواع. وهي فرضية بالفعل مستبعدة.
                             v.            اعتبر دارون استيطان ثعلب يشبه الذئب لجزر الفوكلاند استثناء من القاعدة، كما يشكك في أن هذه الجزر لا يمكن اعتبارها محيطية رغم بعدها ‏عن الأرض القارية، كذلك ذكر احتمال نقل ذلك النوع من الثعالب إليها عن طريق الصخور ‏المحملة على الجبال الجليدية، علمًا بأنه منذ سنوات قلائل، تحديدًا عام 2006، تم اكتشاف حفرية لنوع صغير من الثدييات الأرضية على جزر نيوزيلندا، التي كان يُعتقد أنها لم تمتلك أبدًا أي ثدييات أرضية. كان ذلك الاكتشاف ضربة قوية لفرضية خلو فونا الجزر المحيطية من الثدييات.
                           vi.            ولكن لا يوجد دليل في المقابل يجعلنا نستبعد إحدى الفرضيتين بأن:
                                                  1-            الجزر المحيطية، يكاد يجمع الجيولوجيون أنها لم تكن يومًا ما جزءًا من أقرب قارة لها، ولكونها جزرًا بركانية؛ تكونت في قلب المحيطات بتأثير اندفاع الحمم، فلا إمكانية من الأساس لانتقال الثدييات الأرضية أو البرمائيات إليها بعد تكونها، إلا بتدخل البشر. وبالتالي فخلو الجزر المحيطية من تلك الطائفتين شيء بديهي ومفهوم.
                                                  2-            في حال كانت تلك الجزر المحيطية هي حطام متبقي لقارات تم غمرها، وإن كان هذا هو الاحتمال الأضعف والفحص الجيولوجي لصخور قممها لا يؤيده، فهناك افتراض أن البرمائيات والثدييات الأرضية قد عاشت على تلك الجزر المحيطية في حقب جيولوجية سابقة، ثم اختفت من عليها، خاصة وأن الجزر المحيطية بركانية، كجزر جالاباجوس، وحمم البراكين كافية لقتل كل الأنواع التي لا تستطيع الفرار، وعلى رأسها الثدييات الأرضية والبرمائيات، بل وأغلب الأنواع الخاصة بالمياه العذبة لأنها لن تفر إلى البحر أو الهواء.

واعتبر دارون عدم وجود البرمائيات والثدييات على أغلب تلك الجزر المحيطية غير مفسر بواسطة نظرية الخلق. أما أنا فأرى العكس صحيحًا، فهذه الجزر ارتفعت من قلب المحيط في أزمان جيولوجية لاحقة لأزمان تكون اليابسة والجزر القارية المنفصلة عنها، وما عليها من الأنواع الحية، والتطوريون يؤكدون أن الجزر المحيطية، إضافة لانعزالها، صالحة وملائمة للغاية لمعيشة البرمائيات والثدييات، وهذه الجزر في قلب المحيط تحيطها الأسماك من كل جانب.
فلِم لم تتطور بعض الأسماك لتصير برمائيات؟!، ولِم لم تتطور بعض الزواحف لتصير ثدييات؟!، ومن أين أتت الزواحف على بعض تلك الجزر؟!، أليس المفترض أنها نشأت من برمائيات؟ ومن أين أتت الطيور المستوطنة على بعض الجزر المحيطية التي تخلو من الزواحف إن كان التطور صحيحًا؟! ولِم لا نرى أي حلقات وسيطة على الأقل تشير من قريب أو بعيد إلى صحة التطور طالما توجد طوائف كاملة مفقودة؟!

                                       vii.                   بالرغم من اعتراف دارون في مواضع بتشابه الأنواع الأرضية التي تقطن الجزر وتلك التي تقطن أقرب أرض قارية، فإنه أحيانًا يقول إنها ليست هي نفس الأنواع، ولكنه يفترض صلة عرقية بينها، وأشهر مثال على ذلك هو جزر جالاباجوس البركانية التي تحمل الطابع الخاص بالقارة الأمريكية، ولكن أغلبها مصنفة على أنها أنواع متباينة. كذلك الأنواع التي تعيش في أرخبيل الرأس الأخضر ترتبط بالأنواع الحية في قارة أفريقيا. يفترض دارون أن انعزال الأنواع الحية في تلك الجزر القريبة من القارات قد ساعدها على الانتواع، وأصبحت تُصنف كأنواع جديدة لها صلة بسلف قديم في القارة المجاورة.
وقد اهتم دارون كذلك بتسجيل ملاحظاته عن العمق الخاص بالبحر الذي يفصل الجزر عن بعضها أو عن أقرب قارة، وعلاقته كمحدد جزئي بدرجة الصلة العرقية بين الحيوانات الثديية التي تقطنها، كونه اعتبره مؤشرًا على زمن انفصال الجزيرة.
مرة أخرى رأى دارون أن الخلق الخاص للثدييات لا يفسر تلك الصلات!. وأعتقد أن استقراء دارون للمعطيات الخاصة بالأنواع الحية على الجزر، كان متوسعًا فيه للغاية لإظهار اتساق التوزيع مع النظرية، ولا يصلح لتفسير كثير من الحالات، ومعلوم ‏أن موطنه إنجلترا ما هو إلا مجموعة جزر قريبة من أوروبا، يفصلها عنها ‏القنال الإنجليزي، والثدييات الأرضية بإنجلترا متطابقة مع ثدييات أوروبا، فالانعزال ‏لم يؤثر في الحيوانات بإنجلترا، ولا نشأ عنه أنواع جديدة!‏؛ ولأجل ذلك اقترح دارون أنه من المحتمل بشكل كبير أن تلك الأراضي –يعني الجزر القارية والقارات- كانت متحدة ومتصلة منذ فترة قريبة.
                                          viii.              عندما أتى دارون على ذكر توزيع الأنواع الحيوانية تحديدًا على أرخبيل جزر جالاباجوس، لم يستطع أن يبرر لنا تبريرًا ذا معنى سبب تباين الفونا الحيوانية للجزر المختلفة التي يتكون منها الأرخبيل. بمعنى آخر، يفترض دارون أن العديد من الأنواع المهاجرة قد حدث لها تعديل بشكل مختلف، ولو بدرجة صغيرة، على كل جزيرة من هذه الجزر؛ علمًا بأن هذه الجزر متقاربة للغاية للدرجة التي تكون فيها على مسافة مرئية من بعضها البعض، وتتمتع بنفس الطبيعة الجيولوجية، ونفس الارتفاع، ونفس المناخ، وخلافه. حاول دارون تعليل الاختلافات بعلاقات التنافس المختلفة على الجزر رغم تقاربها!، وبأن تلك الجزر مفصولة عن بعضها بأذرع عميقة من البحر، كما لا يرى دارون أن هناك سببًا لافتراض أن هذه الجزر شديدة القرب من بعضها كانت في أي مرحلة جيولوجية سابقة متحدة مع بعضها بشكل متصل!، ولكن هل تلك الأذرع البحرية تمنع الطيور أو الزواحف البحرية من العبور؟!
فدارون الذي أحيانًا يبرر لحدوث الانتشار، وأن أساليبه قد تنقل أنواعًا حية إلى أقاصي الدنيا ليفسر انتشار بعض الأنواع، يدّعي أن أنواعًا حية مستوطنة قد عجزت عن الانتشار في جزر جالاباجوس المجاورة لبعضها على مرمى البصر، فلم تنتشر الأنواع من جزيرة إلى جزيرة أخرى، أو ما أسماه "كبح الامتزاج الخاص بالأنواع التي تقطن المناطق المختلفة المتمتعة بنفس الظروف المادية تقريبًا"!.

خاتمة:
·        الاستقراء الصحيح للبيانات المتاحة يوضح وجود نباتات واسعة الانتشار، وحيوانات أيضًا واسعة الانتشار، ووجود نباتات مستوطنة، وحيوانات أيضًا تستوطن مناطق بعينها!؛ فتوزيع الأنواع الحية على ظهر الأرض يظهر التشابه أحيانًا، ويُظهر الاختلاف في أحيان أخرى.
·        استخدم دارون تأثير آليات الانتشار وأحيانًا المناخ لتفسير التشابه، بينما استخدم الهجرة والانعزال والتعديل لتفسير الاختلاف. فإن كان يمكن للتطوريين تقديم استدلال بالاختلافات، فمن غير المقبول وغير المفهوم أن يحاولوا الاستدلال بالتشابه مع وجود انعزال!
·        يعتبر الانقراض من أهم العوامل التي تُوضح أسباب اختلاف التوزيع، وانحصار أنواع معينة في مناطق بعينها، ولكن دارون تجاهله تمامًا أثناء تفسيره لملاحظاته.
·        لكن رغم إفراط دارون في تكييف الملاحظات حول التوزيع الجغرافي لتتناسب مع نظريته، إلى الدرجة التي استخدم فيها فرضيات النظرية ليفسر بها لماذا لا يتوافق معها التوزيع في أحيان كثيرة!، وما الذي يُفترض أن يحدث مستقبلًا ويُحوِّل التوزيع إلى الشكل الأكثر اتساقًا مع النظرية، فدارون مع ذلك يُسلِّم بجهل البشر بالتأثيرات الكاملة للتغيرات في المناخ، وفي المستوى الخاص بالأرض، وبأي تغيرات أخرى من المحتمل أنها حدثت، كما يُسلِّم بالجهل بالعديد من الوسائل التي تسمح بانتقال الأنواع، خاصة تلك التي تجعل أنواعًا منتشرة على مساحات واسعة مترامية بينما تكون مختفية في مسافات متوسطة بينها.
·        إن محاولات التطوريين تصوير التنوع على أنه ضد الخلق الخاص هو مناقضة لجوهر نظرية الخلق ونظرية التصميم الذكي من ‏أساسهما اللتان تتفقان على أن كل نوع خُلِق خلقًا خاصًا منفردًا عن كل نوع آخر، بل ‏خلق كل فرد خلقًا خاصًا متفردًا لا يشابهه فيه أحد.‏
·        ما يصر التطوريون على إسقاطه، وفي مقدمتهم دارون، هو وجود التفاعل بين الأنواع الحية وعناصر البيئة الإقليمية التي تعيش فيها، وأنه بتغير عناصر البيئة من الطبيعي أن تهاجر إليها ومنها أنواع حية مختلفة، ويتغير من ثم التوزيع الحيوي. فهم يتجاهلون وجود هذا التفاعل بين العوامل التي قد تتسبب في استيطان نباتات أو حيوانات لأقاليم معينة، وكذا اختفاء أنواع من أقاليم أخرى بعدما عاشت فيها.
·        وأخيرًا فإن الفرضية المعاكسة لفرضية التطوريين، والقائلة بأن النوع قد اختفى من مناطق نتيجة تغير ظروف البيئة، بينما بقي في مناطق أخرى لتلاؤمه مع ظروفها البيئية، هي الفرضية الأكثر علمية؛ لأن هذه الفرضية الأخيرة تحديدًا يمكن أن نجد مشاهدات ملموسة مسجلة عنها.
سنتابع في الجزء الثالث لمعرفة لماذا يُنقب التطوريون عمّ يعتبرونه أسلافًا للإنسان في إثيوبيا والصومال!‏
****************
لماذا تكثر بعثات التطوريين الباحثين عن أسلاف الإنسان المزعومة في إثيوبيا والصومال وغيرها من المناطق في شرق أفريقيا على خط الاستواء؟!
يدعي التطوريون أنه كي نفهم لماذا لا تتحول القردة الآن إلى بشر علينا أن نفهم أولًا كيف تحول بعضها (الأسلاف المشتركة كما يسمونها) لينشأ عنها البشر الحاليون. وهذا له دخل كبير بالجغرافيا الحيوية!

نبوءة دارون:
في كتابه "نشأة الإنسان"، ذكر تشارلز دارون أنه يرى التشابه بين الإنسان والقردة الأفريقية كبيرًا إلى الدرجة التي جعلته يتنبأ أن أسلاف الإنسان الأُول قد عاشوا في أفريقيا، وأننا بالبحث في أفريقيا سنعثر على حفريات لهؤلاء الأسلاف.
ومنذ منتصف القرن العشرين تقريبًا بدأ التطوريون في تركيز رحلاتهم الاستكشافية في أفريقيا، ثم في العقود الأخيرة أصبح التركيز منصبًا فقط على مناطق شرق أفريقيا على خط الاستواء!

حقيقة الأمر أن لنظرية التطور نزعة عنصرية، كثيرًا ما أظهرت وجهها العنصري البغيض، وسبق أن ناقشتُ تلك النزعة في مقال "النزعة العنصرية لدارون ونظريته، وما نشأ عنها". تفترض النظرية أن الإنسان الأسود أقل رقيًا من الإنسان الأبيض، وكل نماذج إعادة تشكيل العظام التي يفترضونها لأسلاف البشر يصنعها التطوريون بحيث تبدو خليطًا من هيئة القردة والبشر الأفارقة، ويجعلون جلدها ذا لون أسود، وكأن الجلد هو الآخر قد وجدوه مع بقايا العظام المتناثرة التي لا يمكن لعاقل أن يجزم بالهيكل من خلالها. لأجل هذا تكثر بعثات التطوريين الباحثين عن أسلاف الإنسان المفترضين في أفريقيا.

لكن لماذا تحديدًا في مناطق شرق خط الاستواء في أفريقيا، خاصة في إثيوبيا والصومال؟
الفرضية التطورية:
من المعروف أن خط الاستواء يقطع قارة أفريقيا إلى نصفين. في عصرنا الحالي توجد الغابات الاستوائية فقط في غرب ووسط المناطق التي يعبرها خط الاستواء، بينما تكاد تختفي الغابات من المناطق الشرقية منه، وقد يسود التصحر في قليل من تلك المناطق الشرقية التي يقطعها خط الاستواء من القارة. معروف أن الصومال تحديدًا، وتقع أقصى الشرق، على خط الاستواء مباشرة، من أكثر البلاد التي تعاني من التصحر، بينما نجد الجابون، وهي الدولة التي تقابل الصومال أقصى الغرب على خط الاستواء، تشكل الغابات الاستوائية  85% من مساحتها. وبالمثل تنتشر الغابات الاستوائية في الوسط، في الكونغو والكونغو الديمقراطية (زائير).
التصحر في بعض مناطق شرق خط الاستواء بدوره أدى إلى قلة الحيوانات –عددًا ونوعًا- التي طالما استوطنت تلك المناطق، بينما تتنوع الفونا الحيوانية في وسط وغرب أفريقيا بشكل أغنى.
يقوم الافتراض التطوري بشأن تطور الإنسان تحديدًا على أساس أنه بسبب الصدع الأفريقي الكبير أو صدع شرق أفريقيا وُجدت جبال في شرق أفريقيا، والتي هي السبب الرئيسي في منع مرور السحب من الغرب إلى الشرق، ومن ثم أدت إلى قلة الأمطار؛ فلمّا لم تجد القردة القديمة في ‏المنطقة الشرقية من خط الاستواء الأشجار، التي تراجعت كثافتها تدريجيًا، والتي كانت تأكل ‏منها وتعيش عليها وتحتمي بها، اضطرت للتطور استجابة للتغير في البيئة؛ فنشأ الإنسان ‏المنتصب القامة تدريجيًا بإسهام من الانتخاب الطبيعي، بينما القردة في المنطقة الغربية لم تضطر ‏إلى هذا التحول فبقيت قردة رغم أنها تطورت أيضًا بحسب الفرضية التطورية.‏

التباين بين المنطقة الشرقية لخط الاستواء وغيرها واضح بالفعل، كما أنه من الواضح، والمسجل عالميًا، أنه في جميع أنحاء القارة الأفريقية تتراجع الحياة البرية، وتتناقص مناطق الغابات، لأسباب عديدة يقف على رأسها الإنسان بتدخلاته السلبية في البيئة؛ وأهمها قطع الأشجار، والصيد الجائر، كما تأثرت البيئة سلبًا بالحروب الأهلية التي حدثت في كثير من البلاد، وبين كثير من القبائل، وكان لها أشد الأثر في المناطق شرق خط الاستواء. الصومال وإثيوبيا تحديدًا عانتا من الحرب الأهلية لسنوات طويلة.

ولكن التطوريين يُصرون على فرضية تأثير التصحر في تطور الإنسان، ويروجونها بين أتباعهم، رغم أنه حدث فقط في قليل من المناطق في العصر الحديث، وهذا معتاد منهم، فدائمًا لهم نظرة مختلفة، وتصور آخر يهدف إلى إثبات النظرية باختلاق وحشد أدلة زائفة. ورغم أن الدلائل التاريخية تشير إلى أن إثيوبيا –على سبيل المثال- في العصور القديمة كانت مليئة بالأدغال، وأن الخلفاء كانوا يستجلبون الفهود منها، أما الآن فبسبب التغيرات التي يُنسب أغلبها للإنسان، فإثيوبيا لديها عدد كبير من الأنواع المهددة بالانقراض.

آثار الإنسان الأول!
عثرت بعثات التطوريين على بعض ما أسموه أقدم الآثار البشرية المعروفة، في شرقي إفريقيا، في إثيوبيا والصومال وأجزاء من كينيا.

ويعتبر التطوريون إثيوبيا تحديدًا موقع ظهور الإنسان العاقل الحديث (هومو سابينس Homo Sapiens)؛ حيث عثرت البحثات الاستكشافية على بقايا عظام لِما اعتبروه أقدم عظام معروفة للإنسان الأول، في جنوب غرب إثيوبيا، وهو ذاته الإنسان الذي يعيش على ظهر الأرض الآن، وفي موقع آخر عثروا على عظام أقدم، ونظرًا لأن تقدير عمر العظام أظهر أنها أقدم من الزمن الذي قدروه لظهور الإنسان الحديث، فقد اعتبروها سلالة منقرضة من الإنسان الحديث (هومو سابينس إيدالتو Homo sapiens idaltu). كما أن الحفرية لوسي (Australopithecus afarensis)  التي يعتبرونها من أشهر أسلاف الإنسان عُثر عليها عام 1974 في منطقة عفر إحدى أقاليم إثيوبيا، وقدّروا عمرها بحوالي 3.2 مليون سنة. وفي عام 2000 تم اکتشاف المستحاثة سلام في إثیوبیا أيضًا، واعتبرت من نفس نوع لوسي (Australopithecus Afarensis)، لكن المفترض أنها عاشت قبل ما یقرب من 3.3 ملیون سنة.

وإنه من العجيب واللافت أن أي حفريات عظام منتصبة القامة أو غير منتصبة القامة، يُعثر عليها في إثيوبيا يعتبرها التطوريون مباشرة أسلافًا لبشر، فأين عظام البشر؟ وأين عظام القردة؟ وأيها أولى أن يبلى في حال كانت نظرية التطور صحيحة؟!
وتلعب إعادة التشكيل للعظام دورًا هامًا في استكمال التصور التطوري حول أشباه البشر، فحفرية لوسي، على سبيل المثال، لم يُوجد من بقاياها سوى 40% فقط من الهيكل. وهناك الكثير من الدراسات العلمية الحديثة التي ناقشت صحة تصنيف عظام الحفريات الناقصة التي عُثِر عليها، وتُنسب لأسلاف البشر، والتي أظهرت أن جميعها إما عظام بشرية وإما عظام قردة. وليس هذا موضوعنا على كل حال.

ولا يقتصر الأمر على البحث عن العظام، فكل ما تجده البعثات الكشفية من آثار حضارية بهذه المناطق يُنسب مباشرة إلى الإنسان الأول Homo Sapiens، ويُدّعى أنها أقدم آثار بشرية، على سبيل المثال: عُثر على نقوش على جدران الكهوف بشمال الصومال نُسبت إلى العصر الحجري القديم، أي إلى حوالي عام 9000 ق م. وهناك كشوف كثيرة تمت في الصومال تتحدث عن أقدم طقوس جنائزية وأقدم أدوات ونحوه، وكلها تصب في تدعيم فرضية التطوريين حول نشأة الإنسان الأول في هذه المنطقة من العالم.

بالرغم من ذلك، نقرأ للتطوريين أحيانًا أن الإنسان المنتصب القامة Homo Erectus قد هاجر من أفريقيا؛ كون علماء الآثار قد اكتشفوا آثارًا وأدوات إنسانية قديمة للغاية في آسيا وأوروبا، لكن التطوريين يصرون على فرضية دارون بأن الإنسان تطور في أفريقيا، وتركيز البحث ينصب بالتالي على أفريقيا، بالأخص إثيوبيا والصومال، وبالدرجة الثانية كينيا وتنزانيا. ولم يعد هناك تركيز على إرسال البعثات العاملة إلى مناطق أخرى مثل جنوب أفريقيا وتشاد، رغم سابق العثور فيهما على حفريات نُسبت إلى أسلاف الإنسان، لم تخل هي الأخرى من تشكيك كثير من العلماء فيها.

الصدع الأفريقي العظيم وصدع شرق أفريقيا:
يلزمنا للرد على الفِرية التطورية، التعريف بواحدة من أهم الظواهر الجيولوجية على قشرة الأرض، وهو الوادي المتصدع الكبير أو الأخدود الأفريقي العظيم The Great Rift Valley، وهو صدع جيولوجي في قشرة الأرض يمر غربي آسيا وشرقي إفريقيا، من جنوبي تركيا في الشمال عبر بلاد الشام، والبحر الأحمر وخليج عدن، إلى كينيا في الجنوب.
يتفق الجيولوجيون على أن هذا الصدع قد نشأ من تحرك صفيحتين تكتونيتين (الصفيحة العربية والصفيحة الأفريقية) من صفائح القشرة الأرضية، بحيث انخفضت مناطق من سطح الأرض، بلغت أقصاها في البحر الميت، كما ارتفعت مناطق أخرى، ومن ثم نشوء بعض المرتفعات والجبال.

أما صدع شرق أفريقيا The East African Rift فهو صدع قاري، ممتد بطول شرق قارة أفريقيا. كان يُعتقد في الماضي أن صدع شرق أفريقيا هو نطاق من الصدع الأفريقي العظيم. والجيولوجيون يعتقدون أن هذا الصدع هو سبب تكون مرتفعات في شرق أفريقيا، بالقرب من خط الاستواء، أهمها أعلى جبلين في أفريقيا؛ وهما جبل كالمنجارو وجبل كينيا، وكلاهما جبلان بركانيان نتجت مخاريطهما البركانية من الصهّارة الموجودة في الوشاح تحت القشرة الأرضية المتصدعة.

يفترض التطوريون، كما أوضحنا، أن حدوث الصدع الأفريقي الكبير، و صدع شرق أفريقيا، وتكون الجبال شرق خط الاستواء قد تزامن مع ظهور أول أسلاف الإنسان المنتصبة القامة Homo erectus، لأن أسلاف القردة في المنطقة شرق خط الاستواء قد اضطرت للتطور استجابة للتغير في البيئة، فانتصبت قاماتها، لعدم وجود الأشجار، بعد قلة الأمطار الشرقية، بسبب إعاقة الجبال مرور السحب من الغرب إلى الشرق.

تفنيد أكذوبة التطوريين:
الحقيقة أن التفسير التطوري للسبب الذي لأجله نشأ الإنسان، عارٍ من الصحة؛ والرد عليه يتضمن عدة محاور؛ فلا المناخ عامة في أفريقيا شرق خط الاستواء متصحر بالكامل، ولم تكن الأجزاء المتصحرة منه كذلك حتى عهد قريب، ويوجد فيه تنوع كبير للحيوانات البرية، وأهم ما يعنينا هو تواجد القرود حتى يومنا هذا، كذلك فإن الصدع الأفريقي العظيم وصدع شرق أفريقيا كلاهما أقدم بكثير مما يتناسب مع فرضية التطوريين.

والآن إلى التفاصيل..

هل أثّرت تلك المرتفعات بالفعل على بيئة المناطق شرق خط الاستواء؟
صحيح أن الغابات المدارية المطيرة تنتشر في غرب ووسط أفريقيا، لكن الدول في الشرق بالقرب من خط الاستواء وتشمل كينيا وتنزانيا وإثيوبيا كلها غير متصحرة، وفقط الصومال تعاني من الجفاف، وسنعرف لماذا.
ووفقًا لأحد المصورين المحترفين لتصوير الأدغال الأفريقية Ashraf Kotb، يوجد في كينيا نهران رئيسيان، وهما نهرا آثي وتانا، وينبع كلاهما من الأراضي المرتفعة، كما توجد فيها بحيرات، وتقع بحيرة فيكتوريا أكبر بحيرة في إفريقيا في الطرف الغربي من كينيا، وفي كينيا كذلك موسمان مطيران، إلى درجة حصول فيضانات أحيانًا، فهي ليست متصحرة إطلاقًا، ويقل المطر فقط في منطقة السهول أقصى الشمال، ومناخها شبه صحراوي.
ونظرًا لانتشار الصيد الجائر لفترات طويلة فإن أعدادًا كبيرة من الحيوانات الوحشية قد قُتلت، حتى أصبحت بعض الأنواع مهددة بالانقراض. لكن الأوضاع قد تحسنت وزادت أعداد الحيوانات كثيرًا بعد إنشاء الحكومات من منتصف القرن العشرين محميات للحيوانات البرية. ولا توجد في كينيا حاليًا غابات مدارية، لكن أشجارها العالية بجانب البحيرات، ومناطق حشائش السافانا السهلية المفتوحة التي تشكل أكبر مساحة من الغطاء النباتي فيها تأوي القردة. قردة البابون تحديدًا تنتشر في مناطق السافانا.

أما عن إثيوبيا، فليست متصحرة على الإطلاق، ولم تكن في الماضي كذلك، وإن كانت الطبيعة فيها أكثر سخاءً في عصور مضت، وبها منبع نهر النيل العظيم. وقد تم سنّ قوانين لمنع إزالة الغابات وحماية الحيوانات.

تنزانيا أيضًا ذات مناخ رطب، والفونا الحيوانية بها غنية.

وحتى في الصومال التي تعتبر أكثر البلدان تضررًا من التصحر، وتعاني منذ سنوات من نُدرة هطول الأمطار، ونقص مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، فقد كانت توجد بها مناطق مأهولة بالغابات الاستوائية حتى عهد قريب، حتى بدأ قطع الأشجار وقت الحرب الأهلية بغرض إنتاج الفحم النباتي، مما أدى بالتبعية إلى موجات متعاقبة من الجفاف، نتيجة زيادة زحف الرمال.

التوزيع الحالي للقرود في أفريقيا:
وفقًا للمواقع المتخصصة في التعريف بالتوزيع الحيوي للحيوانات في أفريقيا، فإن أفريقيا تستضيف 51 نوعًا من القردة، والتي تعيش في الغابات كما تعيش على حشائش السافانا.
ولا يعتمد البابون وقرود السعادين والشمبانزي على الأشجار، ويمكنهم البقاء على قيد الحياة في مناطق السافانا والمناطق شبه الصحراوية.
القرود هي فئة من الرئيسيات يمثلها في أفريقيا الغوريللا والشمبانزي وبونوبو. وراثيًا، هم أقرب الرئيسيات للإنسان.
الغوريللا توجد في أوغندا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وغيرها من البلدان الاستوائية ذات الغابات المطيرة.
African Primates- Baboons, Gorilla, Monkey
Africa hosts 51 primate species in habitats varying from forests to savannah woodlands.
Baboons, vervet monkeys and chimpanzees are not dependent on trees and can survive in savannah and sub desert areas.
The apes are a category of primates represented in Africa by gorilla, chimpanzees and bonobo. Genetically, they are the closest primates to man.
Gorilla- found in Uganda, DRC and other equatorial rainforest countries.

وبوجه عام يوجد نوعان من الغوريلات تقطن أفريقيا. الغوريللا الشرقية The eastern Gorilla (Gorilla beringei) والغوريللا الغربية The western Gorilla (Gorilla gorilla).

وأهم معلومتين تهمانا حول توزيع القرود الحالي في أفريقيا هما:
·        القرود لا زالت تتواجد في شرق أفريقيا إلى يومنا هذا، بل وتوجد أيضًا على الساحل المقابل في اليمن جنوب غرب جزيرة العرب.
·        قرد الشمبانزي الذي يفترض التطوريون أنه ابن عم الإنسان لا يعتمد على الأشجار مثله في ذلك مثل الإنسان، وبالتالي المفترض أن يكون مسار تطورهما واحدًا فيما يخص انتصاب القامة، فليس سلفهما المشترك بحاجة إلى أن تنتصب قامته عندما تنعدم الأشجار؛ فيتطور إلى إنسان، بينما يبقى المسار التطوري للشمبانزي كما هو ليظل قردًا. ولا زالت القرود، خاصة الشمبانزي، تعيش في مناطق حشائش السافانا، بل وبعض المناطق شبه الصحراوية في أفريقيا وغير أفريقيا، ولم تتغير.

هل تُحدث الجبال شرق خط الاستواء إعاقة لمرور الرياح من الغرب إلى الشرق؟
معروف أن الحرارة تتناسب عكسيًا مع الضغط، وأن الرياح تهب من مناطق الضغط المرتفع منخفضة الحرارة إلى مناطق الضغط المنخفض مرتفعة الحرارة.
ومعلوم أن خرائط اتجاه هبوب الرياح تكاد تكون ثابتة لا تتغير، وهي معقدة للغاية، ولكن يعنينا منها فقط الرياح التي تتحكم في سقوط الأمطار على مناطق أفريقيا الاستوائية.

الرياح التجارية السطحية Trade winds:
بتفحص خريطة الرياح العالمية، والجزء المتعلق بهبوبها عند خط الاستواء، نجد أن الرياح الدائمة تهب باستمرار وبانتظام طوال السنة، حيث تلتقي الرياح التجارية الشمالية الشرقية للنصف الشمالي للكرة الأرضية مع الرياح التجارية الجنوبية الشرقية للنصف الجنوبي للكرة الأرضية بالقرب من خط الاستواء، في نطاق تقارب، يسمى بنطاق التقارب بين المدارين.
ولكن الرياح الدائمة التجارية جافة وغير ممطرة؛ لأنها تأتي من جهات دافئة (منطقتيّ الضغط المرتفع المداريتين) إلى جهة حارة (منطقة الضغط المنخفض الاستوائي). هذه الرياح أيضًا سطحية، لا تكون في الأجزاء العليا من أول طبقات الغلاف الجوي القريبة من سطح الأرض (التروبوسفير).

انحراف الرياح بسبب دوران الأرض:
وهناك ما يُعرف بظاهرة انحراف الرياح، وتحدث بسبب دوران الأرض حول محورها من الغرب إلى الشرق، حيث تنحرف الرياح إلى يمين اتجاهها في نصف الكرة الشمالي، وإلى يسار اتجاهها في نصف الكرة الجنوبي، وهي ظاهرة مشهودة أكثر عند خط الاستواء؛ لأن دوران الأرض عند خط الاستواء أسرع؛ فتنتقل الرياح من جهات بطيئة الحركة إلى أخرى سريعة تسبقها في حركتها نحو الشرق.
بالتالي، بما أن الرياح الدائمة التجارية ينحرف مسارها عند مرورها بخط الاستواء، فإنها تعرف عندئذ بالرياح التجارية الغربية الاستوائية، أو الرياح التجارية العكسية، وكثيرون يخلطون بينها وبين الرياح الدائمة العكسية Westerlies (ليست تجارية، وتتحرك من خطيّ عرض 30 إلى خطيّ عرض 60).
وهناك نقطة هامة أخيرة، فهذه الرياح التجارية الغربية الاستوائية عندما تنحرف لا تكون سطحية مثل الرياح التجارية الأصلية، بل تكون علوية؛ في الطبقات العليا من التروبوسفير.

لكن من أين تأتي الأمطار الغزيرة التي بسببها تكونت الغابات الاستوائية طالما الرياح التجارية السطحية جافة؟
بسبب تعرض المناطق عند خط الاستواء للتسخين الشديد طوال العام بسبب السطوع الدائم لأشعة الشمس، يكون الهواء القريب من سطح الأرض شديد الحرارة، مما يعني استدامة منطقة الضغط المنخفض طوال العام، وبطء حركة الهواء الأفقية قرب سطح الأرض. وتكون حركة الهواء تصاعدية؛ أي أنه يحدث ارتفاع للهواء الساخن إلى الأجزاء الأعلى من طبقة التروبوسفير، ويكون هذا الهواء الساخن الذي كان ملاصقًا لسطح المحيطات والأنهار والبحيرات محملًا بالرطوبة أثناء ارتفاعه، فيبرد في الطبقات العليا.
فعندما تتحرك الرياح التجارية الغربية الاستوائية (العلوية) نتيجة دوران الأرض لتمثل حزامًا يدور حول الأرض عند خط الاستواء، فهي تُحرك معها جزئيات بخار الماء المتجمعة في الجزء العلوي من التروبوسفير، بسبب التبخر من الأسطح المائية، لتجعلها بعد ذلك تسقط أمطارًا غزيرة على اليابسة.

أي أن تقارب الرياح التجارية من الشمال والجنوب، ثم انحرافها عند خط الاستواء جهة الغرب، يكون مصحوبًا بتصاعد للرطوبة إلى أجزاء مرتفعة من طبقة الهواء الأولى بالغلاف الجوي (التروبوسفير)، وينتج عن ذلك سحب ركامية وتساقطات غزيرة.
والرياح التجارية بالذات لها الفضل على الإنسان في الملاحة الشراعية منذ القدم.

هناك أيضًا الرياح الموسمية التي تهب في فصول معينة من السنة؛ حيث تتناوب بين القارات والمحيطات في الصيف والشتاء. في فصل الصيف تكون المناطق التي تتوسط القارات شديدة الحرارة لبعدها عن تأثير المحيطات، وبالتالي تتكون بها منطقة ضغط منخفض، تجتذب الهواء البارد من المحيطات ذا الضغط المرتفع، فتسقط أمطار غزيرة، وهذا ما يحدث في فصل الصيف، في منتصف أفريقيا وإثيوبيا، ومناطق أخرى من العالم، وتكون هذه الرياح الموسمية الصيفية جنوبية غربية. علمًا بأن الحال ينعكس في الشتاء بين القارات والمحيطات، وليس هذا موضوعنا.

وخلاصة الأمر أن:
·        الرياح التجارية الغربية الاستوائية (العلوية) التي يدّعي التطوريون أن الجبال شرق خط الاستواء تحجز أمطارها ليست رياحًا سطحية لتحجزها الجبال، فهي تدور في في الأجزاء العليا من طبقة التروبوسفير، وتحديدًا فوق مستوى 500 م من سطح الأرض، ورغم وجود تلك المرتفعات والجبال جهة الشرق، ورغم وجود قمم عالية عليها، فأعلى قمة لجبل كالمنجارو تكون على ارتفاع 5,895 مترًا عن سطح البحر، وهناك ثلاث قمم مرتفعة لجبل كينيا كلها على ارتفاع 5000م تقريبًا، إلا أن هذه الجبال ليست متلاصقة وقريبة بحيث تمثل حائط صد مانع تمامًا ضد الرياح حتى لو كانت رياحًا سطحية. وكل ما يمكن أن يحدث هو تقليل كميات الأمطار الساقطة على الصومال –وفقط الصومال-.
·        وبشكل عام، فإن السواحل الشرقية للقارات في المناطق المدارية تكون ممطرة، سواء في آسيا أو أفريقيا أو الأمريكتين أو أستراليا، ولا يُستثنى منها جميعًا سوى الصومال، فهي إلى حد ما جافة، ومثلها السواحل المجاورة لها (سلطنة عمان واليمن).
·        بينما الرياح المحملة بأمطار غزيرة والتي تسقط في فصل الصيف على خط الاستواء في أفريقيا، قادمة من المحيط، فتختص الأجزاء الوسطى من القارة بالنصيب الأكبر منها، ولكن يصيب المناطق الشرقية من أفريقيا نصيب منها، بل وتصل تلك الأمطار الموسمية الصيفية إلى جنوب غرب الجزيرة العربية القريبة من شرق أفريقيا الاستوائي، ولكن هناك فروق طبيعية في كميات الأمطار بين منطقة وأخرى.
وهذه هي خريطة الرياح والأمطار في تلك المنطقة، ولا نعرف أنها تبدلت طوال العصر الجيولوجي الأخير.

والأهم من كل ما سبق أن علماء الجيولوجيا يقررون أن:
الصدع الأفريقي العظيم قد بدأ في الحدوث قبل حوالي 25 مليون سنة، ونفس الشيء يُقال عن صدع شرق أفريقيا الذي حدث من 22: 25 مليون سنة، وتكون جبلا كينيا وكالمنجارو كجبلين بركانيين بعد التصدع بحوالي 3 ملايين سنة
وهو زمن يسبق ما يفترضه التطوريون لبدء ظهور الإنسان العاقل بملايين السنين، بل ويسبق الزمن الذي يفترضه التطوريون لظهور السلف المشترك الذي يفترضونه للإنسان والشمبانزي. والذي يضع التطوريون أقصى مدة لظهوره منذ 9 ملايين سنة.
فالصدوع والجبال موجودة قبل القردة بملايين السنين، ولكن القردة -وفقًا للزمن الذي حددته نظرية التطور- ظهرت بعد حدوث التصدع وتكون تلك الجبال، ثم عاشت هناك ملايين السنين في شرق أفريقيا، ولو كان لفرضية التطوريين أثر من الصحة؛ بمعنى أنه لو كان مثل هذا التغير البيئي المزعوم قد حدث وكان مؤثرًا في نشأة الإنسان منتصب القامة، لكان المفترض أن ينشأ الإنسان من زمن أقدم بكثير مما يفترضه التطوريون!
فلماذا لم يظهر الإنسان من البداية؟، ولماذا ظهرت قردة غير قادرة على نصب قاماتها طالما نشأت بعد هذا التغير الجيولوجي الذي يدّعون زورًا أنه أقحلت بسببه الأراضي، ومُحيت الغابات، وهو ما لم يحدث؟

نعلم أنه عند هذه النقطة سيحدثنا التطوريون عن تراكمية التطور، والتي سبق وأن تحدثنا عنها في مقال "هل بُنيت الأنظمة الحيوية باستخدام سقّالات؟!"، وفنّدناها، ولكن هذا سيمثل تهربًا من فرضيتهم القائمة على كذبة حدوث تغير بيئي جعل السلف المشترك في الشرق يتطور وتنتصب قامته، فيتحول إلى بشر، بينما بقيت القردة في الغرب على حالها ولم تنتصب قاماتها لأن شيئًا لم يتغير في بيئتها.

وربما عكسوا الدليل كعادتهم بعدما ينقلب عليهم، فأصبح لزامًا على السلف المشترك أن يتفرع في كلا الاتجاهين؛ اتجاه الإنسان واتجاه الشمبانزي!

ولكن، ما سيبقى بلا إجابة، وسيظل يلزمهم، هو إيجاد فرضية جديدة للسبب الذي من أجله اضطر السلف المشترك المُدّعى للإنسان والشمبانزي والبونوبو لأن تنتصب قامته.

ولا زال التطوريون يحفرون في صحاري ووديان شرق أفريقيا بحثًا عن أي عظام، والتي يفترضونها مباشرة عظامًا لأسلاف الإنسان!


فهرس مقالات مدونة نقد التطور- د/منى أبو بكر زيتون

رابط مجلة آمنت بالله – د/منى أبو بكر زيتون https://amantbeallah.blogspot.com.eg / رابط مدونة نقد التطور – د/منى أبو بكر زيتون ht...