الخميس، 23 أبريل، 2015

حاسة الشم - د/منى زيتون

حاسة الشم
د/منى زيتون

من الشبهات التي يعرضها التطوريون ممثلين بها على وجود الجينات المعطلة التي يستدلون بها على صحة نظريتهم هي الجينات الشمية المعطلة.

يعتبر التطوريون أن حاسة الشم لدى الإنسان بائسة ورديئة بين الثدييات البرية، فالإنسان لا يتشمم بقوة مثل الكلاب والفئران –أكرمكم الله- وهذا عيب كبير من وجهة نظر التطوريين.

يستطيع الإنسان التمييز بين أكثر من عشرة آلاف رائحة بسبب وجود الجينات المستقبلة الشمية olfactory receptor genes (OR). عدد تلك الجينات عند الإنسان حوالي 400 جين نشط، بينما توجد 400 جين آخر يفترض التطوريون أنها جينات شمية معطلة لدى الإنسان، وكالعادة في أي رواية تطورية فإن تلك الجينات قد تم تعطيلها بسبب حدوث طفرات لأنها غير نافعة فلم يبقيها الانتخاب الطبيعي.

بينما يوجد لدى الفئران –التي يفترض التطوريون وجود سلف قديم يجمعها بالبشر رغم كل الفروق المظهرية بيننا وبينها!!!- حوالي ألفي جين مستقبل شمي نشط، وكل جين يُنتج بروتينًا مختلفًا يتعرف على جزيء منقول جوًا مختلف. كل بروتين مستقبل شمي يُعبَّر عنه بنمط مختلف قليلًا من الخلايا المستقبِلة في النسيج المبطِّن للأنف. والروائح المختلفة تحتوي على مجموعات مختلفة من الجزيئات، وكل مجموعة تثير مجموعة مختلفة من الخلايا. تبعث الخلايا إشارات إلى المخ، الذي يدمج ويفك شفرة الإشارات المختلفة، وعن طريق دمج مجموعات الإشارات التي تبعثها الخلايا الشمية إلى المخ تتمكن الفئران أن تتعرف على روائح أكثر بكثير مما يملكون من جينات مستقبلة شمية.

وطبعًا لا يقتنع التطوريون بتفسير حاسة الشم القوية لدى الفئران بأنها تكيف أوجده الخالق لظروفها الحياتية لكونها ثدييات ليلية، وبالتالي لا تعتمد على حاسة الإبصار كالثدييات النهارية، بل يفسرون وجود مستقبلاتها الشمية العديدة بأنها كلها تنحدر من جين واحد عند السلف نشأ منذ ملايين السنين وصار مضاعفًا مرات كثيرة. ويختلقون قصة تخيلية كعادتهم عن الآلية التي حدث بها ذلك التضاعف، ويعتبرون ذلك التكوين الخيالي لتلك المستقبلات المختلفة في الأنف والوصلات المخية لجمع الإشارات من الخلايا أنه إنجاز مذهل للتطور نظرًا للقيمة الكبرى لحاسة الشم بالنسبة للفأر التي يقدرها الانتخاب الطبيعي!!!!

يحاول التطوريون كذلك الإيهام بوجود علاقات بين تسلسلات جينات الاستقبال الشمي البشرية –النشطة وتلك التي لا تشفر البروتين ويسمونها معطلة-، وأن نسب المشاكلة الجينية لها ترتبط بالتقارب على شجرة التطور، فالجينات الشمية للإنسان متشابهة بنسبة أكبر مع تلك التي لباقي الرئيسيات، وأقل مع خلد الماء (منقار البط)، ثم أقل بنسبة أكبر مقارنة بالزواحف.

ويعطي التطوريون أهمية كبرى كذلك لنسب الجينات المعطلة تحديدًا، وعلى حد تعبير جيري كوين: "لماذا ستُظهر الجينات الميتة علاقة كهذه، إن لم يكن لأجل التطور؟ وحقيقة أننا نؤوي جينات معطلة كثيرة جداً دليل بدرجة أكبر على التطور: نحن نحمل هذه الأمتعة البالية لأنها كانت محتاجًا لها في أسلافنا البعيدين الذين اعتمدوا على حاسة شم قوية للبقاء أحياء".

كذلك يربط التطوريون بين قصتهم الخيالية عن انتقال كائن بري يعتبر السلف المشترك للحيتانيات للمعيشة في البحر وبين جينات المستقبلات الشمية لدى الدولفين التي ينتج منها 20% فقط بروتين، بينما نسبة 80% الأخرى يفترضونها جينات شمية معطلة.

ونرد بالآتي:
يعترف جيري كوين في كتابه أن العالم الحسي للفأر مختلف على نحو واسع عن العالم الحسي الخاص بالبشر حيث تكون الرؤية لدى البشر أهم بكثير من الشم، ويقرر حاجة الفئران إلى الشم عوضًا عن الرؤية بسبب كونها من الثدييات الليلية؛ لذا فهي تحتاج إلى التعرف على روائح مختلفة تمكنهم من تمييز القريب من البعيد، وتحديد مواقع الطعام، والتعرف على المفترسين وأفراد النوع عن طريق استبيان فرمونات أحدهم للآخر.

كالعادة التطوريون قد يرصدون نفس الظاهرة التي يرصدها القائلون بتصميم يعزى إلى خالق، ولكنهم يفشلون كالعادة في تمييز عظمة الخالق في خلق كل كائن متكيفًا مع ظروف حياته.
فالملاحظ أنه كلما زادت قوة حاسة الإبصار –وهي تزيد لدى الثدييات النهارية التي لا تحتاج إلى التمييز بين روائح كثيرة- قلت في المقابل حاسة الشم التي تزيد لدى الثدييات الليلية كالفئران، أو الكلاب -لكونها تؤدي وظيفتها في الحراسة-.
كما أن الإنسان وغيره من الرئيسيات الذين يتميزون بالقدرة على تمييز الألوان، ومن ثم التعرف على البيئة بدقة أشد تضعف لديهم حاسة الشم أكثر من باقي الثدييات النهارية.

ونفس الشيء يُقال بالنسبة للدولفين؛ فكائن مائي ما حاجته إلى استبيان روائح متطايرة في الهواء، ولكن هذا لا يعني أن 80% بالفعل من جيناته معطلة، بل هي تقوم بدور تنظيمي لباقي الجينات التي تشفر بروتين حتى يتمكن الدولفين من شم الروائح الذائبة في الماء.

ولا نعرف كيف أمكنكم ادعاء نسب للمشاكلة الجينية على أساس المقارنة بين أجزاء صغيرة منتقاة من جينومات الكائنات الحية المختلفة التي لم تدرسوها بالكامل، وليس في إمكانكم دراستها، فجينوم الإنسان وحده يحتوي أكثر من 3 بلايين كود!!!!!
ثم أنه ومع اختلاف عدد الجينات النشطة والمعطلة بين الكائنات الحية، ومع اختلاف طول الجينوم ككل لكل كائن حي عن الآخر تصبح المقارنة الحقيقية الشاملة مستحيلة.

وطبعًا هم لا زالوا يكابرون في الاعتراف بوجود وظائف تنظيمية لتلك الجينات المسماة معطلة تقوم بها لتنظيم عمل الجينات النشطة التي تشفر لإنتاج بروتين، وهو ما أثبتته الدراسات الحديثة.

ثم أنكم تعترفون في مواضع من كتبكم أن الثدييات البحرية لديها مجموعة خاصة مختلفة تمامًا من الجينات الشمية التي تمكنها من استبيان المواد الكيميائية المنقولة بالماء وليس الهواء، فلِم لم تفسروا لنا كيفية نشوء تلك المجموعة النشطة من الجينات الشمية لدى الثدييات البحرية، وكيف تختلف تتابعاتها الجينية عن تلك التي للثدييات البرية، ومع ذلك تصرون بتبجح على إدعاء السلف البري للثدييات البحرية.

وطبعًا يتجاهل التطوريون وجود نظام إصدار أصوات السونار الفائق الدقة لدى الحيتانيات عوضًا عن حاسة الشم، ولا يخبرونا من أين تطور؟ وهل كان السلف البري للحيتان لديه نظام مثله؟

وأختم بأن هناك ملاحظة غريبة سجلها العلماء وهي أن النسبة المئوية للجينوم غير المشفر للبروتين –الذي يسميه التطوريون خردة ومعطل وزائف- تكون لدى الإنسان أعلى ما يمكن؛ إذ تشكل نسبة 95% من إجمالي الجينوم الإنساني، وتقل وفقاً لرقي الكائنات التصنيفي، فالفقاريات أقل من الإنسان، وأقل منها الحبليات، ثم اللافقاريات، ثم الفطريات والنباتات، ثم باقي حقيقيات النواة وحيدة الخلية، وتأتي نسبته أقل ما يمكن في بدائيات النواة!!، وثبت من خلال العديد من الدراسات أن هذه المساحة الشاسعة من الجينوم ترتبط بشكل ما مع تعقد الكائنات الحية. فالتعقيد يحتاج إلى كمية هائلة من المعلومات المنظمة.
ولكن التطوريين فسروا ذلك باعتبار تلك المساحة في الجينوم ركامًا تطوريًا معطلًا يزيد مع رقي الكائنات!!!!!.




فهرس مقالات مدونة نقد التطور- د/منى أبو بكر زيتون

رابط مجلة آمنت بالله – د/منى أبو بكر زيتون https://amantbeallah.blogspot.com.eg / رابط مدونة نقد التطور – د/منى أبو بكر زيتون ht...