الخميس، 23 أبريل 2015

اتجاهات في تفسير التنوع الحيوي- د/ منى زيتون

اتجاهات في تفسير التنوع الحيوي

Biodiversity

د/ منى زيتون

مُستل من كتابي "الإلحاد والتطور.. أدلة كثيرة زائفة"

الثلاثاء 4 أبريل 2017
https://www.makalcloud.com/post/dx390oivo

ونُشر على ثلاثة أجزاء على هاف بوست عربي

الأحد 7 ، 14، 21 مايو 2017

http://www.huffpostarabi.com/mona-abu-bakr-zaitoon/post_14616_b_15826266.html

https://www.huffingtonpost.com/mona-abu-bakr-zaitoon/post_14616_b_15826266.html

http://www.huffpostarabi.com/mona-abu-bakr-zaitoon/post_14770_b_16601710.html

https://www.huffingtonpost.com/mona-abu-bakr-zaitoon/post_14770_b_16601710.html

http://www.huffpostarabi.com/mona-abu-bakr-zaitoon/-3_22_b_16735774.html

https://www.huffingtonpost.com/mona-abu-bakr-zaitoon/-3_22_b_16735774.html

الجمعة 26 يوليو 2019

http://www.almothaqaf.com/a/qadaya2019/938665

الملاحظ لي من خلال متابعتي لكثير من النقاشات التي يكون طرفًا فيها بعض من غير المتابعين للصراع العلمي والديني في تفسير التنوع الحيوي أن كثيرين يخلطون بين الاتجاهات المختلفة التي تُفسِّر النشأة الأولى للأنواع الحية. ولا أتحدث هنا عن تبني أحدهم اتجاهًا محددًا ضد الآخر؛ بل أعني أنهم قد لا يعرفون حقيقة كل اتجاه على حدة، كما أنهم بالفعل يخلطون بين الاتجاهات المختلفة بعضها وبعض، ويخلطون بين ما هو علمي وما هو ديني من بينها.

وإلى وقت قريب كان من يقرأ في تفسير نشأة الأنواع الحية يجد نظريتين كل منهما لها بعض الدعم من المجتمع العلمي، مع تفاوت مقداره، تضع كل منهما فرضيات لتفسير الخلق الأول، وبقدر اتساق فرضيات كل نظرية مع نفسها، بقدر تعارضها مع فرضيات النظرية الأخرى. وأعني بهاتين النظريتين: نظرية التطور، ونظرية التصميم الذكي.

ولم تتنازع هاتان النظريتان فقط إعطاء تفسير متسق لنشوء الأنواع الحية؛ بل تنازعتا ادعاء العلمية ونزع ثوب العلمية عن النظرية الأخرى. وهذا في حد ذاته مبحث مستقل يستحق الكتابة فيه تفصيلًا؛ لنرى أيهما قادرة على تحقيق أهداف العلم وأهمها التفسير، وأيهما تضع فرضيات قابلة للتخطئة، ولم يثبت خطؤها. لكن على كل حال، فكلا النظريتين: التطور والتصميم، بناؤهما يشبه بنية النظريات العلمية، مهما اتفقنا أو اختلفنا بعد ذلك عليهما عند التدقيق في أمريهما.

ولنبدأ أولًا بالتعرف على هاتين النظريتين، قبل أن نناقش اتجاهات أخرى لتفسير التنوع الحيوي، بعضها لها جذور أقدم من النظرية ذاتها؛ وأعني: الخلقوية الإسلامية والخلقوية المسيحية، وبعضها أحدث ومنشق عن التطور تحديدًا مثل ما يُسمى بالتطور الموجه وما أصبح يُعرف بالاتجاه الثالث، لكن كل تلك الاتجاهات الأخرى لا يمكن أن تعد نظرية علمية لأسباب مختلفة؛ فالنظرية: هي بنيان من المفاهيم المترابطة والتعريفات التي تقدم نظرة نظامية إلى الظاهرة ‏موضع الدراسة لتحديد العلاقات بين المتغيرات، بهدف تفسير الظاهرة والتنبؤ بها وضبطها.‏ كما يجب أن تكون الاستدلالات على أي نظرية منبثقة من فروع العلوم المختلفة لتعتبر نظرية علمية.

التطور

نشأت الداروينية في منتصف القرن التاسع عشر على يد تشارلز دارون وألفريد راسل والاس في ورقة بحثية مشتركة نُشرت سنة 1858، ثم بعدها بعام نشر دارون كتابه "حول أصل الأنواع On the Origin of Species "، واعتمدت فكرة التطور الحيوي بنشوء الأنواع الحية من أصل مشترك، وتطور أشكال الحياة المعقدة من أشكال أبسط، لأن أفراد النوع الأكثر تكيفًا مع البيئة تنتخبها الطبيعة وتساعدها في نقل صفاتها المميزة إلى أجيال جديدة، وتتراكم هذه الصفات عبر الأجيال حتى ينشأ نوع جديد، وهكذا يتوالى نشوء الأنواع الحية. وأسمى دارون تلك العملية "الانحدار مع التغير Descent with Modification".

وإن كانت أفكار مثل التولد الذاتي ونشوء أشكال الحياة المعقدة من أشكال أبسط هي أفكار أقدم من دارون إلا أن الجديد هو الآلية التي وضعها دارون؛ إذ كان الانتخاب الطبيعي هو الآلية التي اعتمد عليها دارون لتفسير انتقال الصفات المكتسبة للأنواع الجديدة، وبعد اكتشاف مبادئ الوراثة المندلية، والتأكد من استحالة توريث الصفات المكتسبة، كان على التطوريين إيجاد آلية تفسر كيفية تكون المعلومات الجينية الجديدة التي يمكن توريثها، ومن ثم تنشأ من خلالها ‏الأنواع الجديدة المدّعاة وفقًا لنظريتهم؛ فكانت الطفرة.

وقد طرأت على الداروينية الكلاسيكية تغيرات كثيرة لا تختص بإدخال الطفرة وحدها، فالآليات الرئيسية للتطور وفقًا لما استجد في القرن العشرين هي الطفرة ‏وإعادة التركيب (التأشيب) والانتخاب ‏mutation, recombination and selection are the fundamental mechanisms of evolution‏.‏

ويمكن القول إن الحديث عن الداروينية منذ عقود يعني النظرية التركيبية الحديثة ‏The Modern Synthesis theory‏ (النظرية الداروينية الحديثة ‏Neo-Darwinism theory)‏، والتي تستند إلى علم وراثة العشائر Population Genetics مع إبقاء أسس الداروينية الكلاسيكية، وهي تقدم تعريفًا للتطور ‏بأنه: مقدار التغير في تكرار المورث "تردد الجينات" في العشيرة، والعشيرة هي أفراد من أحد الأنواع الحية الذين يعيشون ويتزاوجون معًا في بيئة واحدة.

وتعتمد الداروينية الحديثة على تفسير حدوث التطور بواسطة الطفرة والانتخاب الطبيعي معًا،‏ فبينما تولد الطفرة المعلومات الجينية للصفات الجديدة المتطلبة للانتواع، يقوم الانتخاب الطبيعي بالانتقاء من بين المعلومات الجينية المتولدة لتمرير الصفات الجديدة الأصلح للأنواع الناشئة. من ثم، يكون الانتخاب الطبيعي هو المسئول عن توجيه التطور.

وسواء قصدنا عند الحديث عن التطور: النظرية التطورية الكلاسيكية أو النظرية التركيبية الحديثة أو حتى نظرية التطور عن طريق قفزات واسعة وليس تدرجًا تراكميًا التي وضعها نايلز إلدردج وستيفن غولد في السبعينات، فالقيمة التفسيرية لنظرية التطور مشكوك فيها بشكل كبير. فالطفرة هي الآلية التي أضافها التطوريون لآلية الانتخاب الطبيعي مدّعين قدرتها عبر زمانية ‏طويلة على توليد ملايير المعلومات الجينية التي تولدت عنها ملايير الأنواع الحية والمنقرضة، رغم عدم نفعيتها وعدم ثبوت قدرتها على توليد معلومات جينية!

كما أن التطور ليس غائيًا، ومن ثم لا يمكن التنبؤ من نظرية التطور بشيء. يُعرَّف التنبؤ على أنه استخدام المعلومات المتجمعة في مواقف أخرى غير تلك التي تنشأ عنها ‏أساسًا، أي استخدام معرفة علمية سابقة لأجل توقع حدوث شيء في زمن ما أو في مكان ‏ما.‏ ومن ثم فالتنبؤ يتعلق بالاستفادة من المعلومات المتجمعة من القوانين والمبادئ والنظريات ‏في تصور ما يمكن أن يحدث في مواقف مستقبلية متعلقة. والتطور نظرية تفترض أنها تقدم تفسيرًا لكيفية نشوء الأنواع الحية، وإضافة إلى أنها تفتقد لتقديم آلية مناسبة لنشوء المعلومات الوراثية، فهي علاوة على ذلك ليست لها أدنى قيمة تنبؤية، فلا يستطيع أحد في ظل نظرية التطور أن يتنبأ ‏بنشوء نوع جديد من نوع آخر، بل لا يمكن حتى أن يتنبأ تنبؤًا له شواهد حقيقية تدعمه بنشوء عضو جديد أو زوال عضو مما ‏يدعيه التطوريون أثريًا بلا وظيفة.

وقطعًا فإن نظرية لا تفسر ولا تملك قدرة تنبؤية لا يمكن أن تضبط شيئًا. ‏إن تحديد أسباب أي ظاهرة وإمكانية توقع حدوث أشياء متعلقة بالظاهرة قد يؤديان إلى التحكم ‏في الظاهرة، وكلما ازدادت قدرة الإنسان على تفسير الظاهرة والتنبؤ بها أمكنه التحكم فيها.‏ وهذا ما لا تفعله نظرية التطور. من ثم، يمكن القول إن نظرية التطور لا تُحقق أيًا من أهداف العلم الثلاثة: التفسير والتنبؤ والضبط!

كما أن التطور نظرية غير قابلة للدحض، ووفقًا لكارل بوبر الذي يعده كثير من الباحثين أكبر فلاسفة العلم في القرن العشرين فإن معيار ‏العلمية لأي نظرية هو قابليتها للدحض (للتخطئة).‏

وقف كارل بوبر موقفًا معارضًا لتحديد الاستقراء كأساس للمنهجية العلمية، ومن ثم رفض ‏الملاحظة كمنطلق للتفكير العلمي، وقال إن المنهج العلمي في حقيقته يقوم على الاكتشاف ‏وينطلق من وضع الفرضيات؛ أي أن المنهج العلمي يقوم على فرض العديد من الفروض ومحاولة تخطئتها للوصول إلى ‏الفرضية التي تقاوم التخطئة في ضوء المعلومات المتجمعة، فيتبناها الباحث، لكن تلك ‏الفرضية تبقى محل دراسة وتستمر محاولة تخطئتها ونقضها لأجل بلوغ فرضية أفضل تسهم ‏في تفسير الظاهرة موضع الدراسة.‏

فالنظرية لا تكون علمية إلا لأنها قابلة للتخطئة، لكن لم تتم تخطئتها بعد، وهذا لا ينطبق ‏على التطور؛ إذ تمت صياغة أغلب فرضياتها بحيث تحتمل الشيء ونقيضه، ما ينفي أي سبيل لتخطئتها.

ولأجل هذه الطعون العلمية المتزايدة في نظرية التطور، فإن الانشقاق عنها قد تزايد في العقدين الأخيرين؛ حيث أطلق معهد دسكفري عام 2001 بيانًا معارضًا للداروينية باسم "المعارضة العلمية للداروينية"، يطلب إعادة النظر في نظرية التطور كونها لا تستند إلى الدعم العلمي. وقد وقع على هذا البيان مئات من العلماء، وصل عددهم سنة 2007، إلى 700 عالم بيولوجي. وبلغ عددهم 1186 عالمًا في آخر تحديث سنة 2021.

ويمكن تحميل قائمة بأسماء العلماء الرافضين لنظرية التطور من أي من الرابطين:

https://dissentfromdarwin.org/download/

http://www.discovery.org/scripts/viewDB/filesDB-download.php?command=download&id=660

التصميم الذكي

بدأت حركة التصميم الذكي أوائل التسعينات من القرن العشرين. نشأت في مقابل التطور، كنظرية علمية تحاول تقديم فروض علمية لتفسير نشوء الأنواع الحية في ضوء المكتشفات العلمية التي لم تكن متاحة في عهد دارون ولا فريق الدراونة الجُدد الذين وضعوا النظرية التركيبية الحديثة، وتتعارض فرضياتها تمامًا مع فرضيات التطور.

والتصميم الذكي نظرية علمية لتفسير التنوع الحيوي، وليست نظرية دينية مرادفة لنظرية الخلق كما يُشيع عنها التطوريون؛ فهي تضع فرضيات متناسقة، تتعلق باقتراحات محددة، كما أنها تشكل إضافة علمية وتهذيبًا للنظريات السابقة عليها في المجال نفسه، ولها قيمة تفسيرية وقيمة تنبؤية، وفرضياتها قابلة للاختبار، وقابلة للتخطئة، وقابلة للتعديل والتصحيح في ضوء نتائج التجارب، فهي مفتوحة أمام الفحص التجريبي.

تضع نظرية التصميم الذكي فرضيات علمية لتفسير نشأة الأنواع الحية، وتتبنى توجهًا مناهضًا للدور العشوائي اللا غائي الذي تعطيه نظرية التطور للطبيعة كأداة فاعلة في الخلق، وتناهض دعاوى التطوريين عن وجود عيوب في تصميم الأنواع الحية؛ كونها تطورت بعضها من بعض، فنشأت العيوب نتيجة السمكرة وإعادة التخليق! ولا تعترف بوجود أعضاء أثرية بلا وظيفة أو غيّرت وظيفتها عبر المشوار التطوري، بل على النقيض ترى نظرية التصميم الذكي في الأنظمة الحيوية تعقيدات وظيفية متخصصة وتعقيدات غير قابلة للاختزال، تعجز الرؤية التطورية التدرجية التراكمية عن تفسيرها.

وتفسر النظرية خلق الأنواع الحية بأنه تم من قِبل مصمم ذكي، ولكن على عكس نظريات الخلق الدينية لا تُسمي الله كخالق وتحدده على أنه ذلك المصمم الذكي، فتحديد المصمم أمر يخرج عن قدرة العلم. وترى النظرية أن الخلق الخاص لكل نوع حي يتناسب كفرضية تفسيرية مع التصميم الذكي، بينما التطور التدريجي للأنواع الحية من بعضها البعض لا يتواءم مع التصميم.

وتتعدى نظرية التصميم الذكي تقديم تفسير لنشوء الأنواع الحية، وهي الحدود التي تتناولها نظرية التطور؛ إذ تقدم التصميم الذكي تفسيرًا لنشأة الكون ككل، يُستدل عليه من خلال التوافق الدقيق للكون.

ويرى أنصار التصميم الذكي أن  إصرار التطوريين على الأصل المادي المجهول للحياة ورفض وجود المصمم هو التفسير الخرافي الأشبه بتفسير القدماء لظاهرة كسوف الشمس بأن تنينًا قد أكلها، علمًا بأن تفسير القدماء رغم بدائيته كان أذكى في أنه حاول البحث عن فاعل يمتلك القدرة وليس عن قوانين الطبيعة التي كانوا يجهلونها، بينما معرفتنا العلمية في العصر الحديث تمكنا من تقييم استحالة أن تكون الطبيعة قادرة على الخلق أو الانتقاء، فقوانين الطبيعة في حد ذاتها دليل على وجود المصمم، وليست نافية لوجوده. 

منذ بدأت حركة التصميم الذكي، والتطوريون يشيعون عن أصحابها أنهم خلقويون، لكن اللافت أن المنضمين لحركة التصميم الذكي بعضهم دينيون مع اختلاف دياناتهم، وبعضهم لا أدريون؛ وأشهرهم البروفيسور ديفيد برلنسكي. وكان من أشهر المنضمين إلى حركة التصميم الذكي من بدايتها البروفيسور دين كينيون أحد المشاركين في وضع نموذج شهير لتفسير نشأة البروتين في بدء الخلق من خلال الأُلفة الكيميائية للأحماض الأمينية، بعد أن تراجع عن نموذجه واعترف بعدم وجود قيمة تفسيرية له، وكذلك البروفيسور أنطوني فلو، الذي قضى عمره في الإلحاد، ثم عاد عنه وصنّف كتاب "هناك إله" أعلن فيه تراجعه عن إلحاده، وانضم لحركة التصميم الذكي.

ويعتبر معهد ديسكفري الجهة الرسمية التي تتبنى نشر أبحاث التصميم الذكي، ويوجد في الولايات المتحدة الأمريكية. كما أن المعارضة لحركة التصميم الذكي تأتي من جهات رسمية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. على سبيل المثال: صرّحت الأكاديمية الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة بأن التصميم الذكي ليس علمًا، كونه يفترض أصلًا خارقًا للطبيعة في نشأة الحياة، واتهم النظرية بأنها لا تقترح أية فرضيات خاصة بها، ولا يمكن إخضاعها للتجربة، كما أنه لا يمكن التنبؤ منها بشيء!

National Academy of Sciences, (1999). Science and Creationism: A View from the National Academy of Sciences, Second Edition

في المقابل يرى مُنظِّرو التصميم أن هذه التصريحات شكّلت درجة عالية من التحيز لنظرية التطور، والتجنّي في المقابل على نظرية التصميم، وأن نظرية التصميم لها فرضياتها القابلة للاختبار؛ وأهمها التعقيد المتخصص، والتعقيد غير القابل للاختزال في الأنظمة الكونية والحيوية.

كما أن النظرية تحقق أهداف العلم الثلاثة (التفسير- التنبؤ- الضبط)؛ فهي:‏ تقدم تفسيرًا متسقًا غير متعاكس للضبط الدقيق في الكون، وللدقة التي خُلِقت بها أجسام ‏الأنواع الحية، وللقدرة على التكيف الموجودة في المناطق التنظيمية من جيناتها.‏ ويمكن من خلالها التنبؤ بالكثير في ضوء فرضياتها مثل توسع أو انكماش الكون، ووصول كائن ما للشيخوخة ‏أو الإصابة بمرض. ونظرية التصميم لا تفترض أن الانتواع يحدث من نوع لآخر حتى تُطالَب بالتنبؤ بظهور نوع جديد، فهذه فرضيات التطور وليست فرضياتها، فما بالنا ونظرية التطور ذاتها تعجز عن هذا التنبؤ.‏ كذلك يمكن أن نضبط الكثير من العوامل في ضوء فهمنا لنظام الكون والأنظمة الحيوية المتخصصة للأنواع المختلفة.

‏كما أن التصميم الذكي قابل للتخطئة. ومن فرضياته الأساسية أن التعقيد في الكون وفي الأنظمة الحيوية غير قابل للاختزال، وأن هذه التعقيدات متخصصة. وهذه ‏الفرضيات ليست فقط قابلة للدحض، بل ولم يتم دحضها، وثبت صحتها، فبالتجريب على الكثير من ‏الأنظمة الحيوية ثبت أن غياب جزء واحد فقط عن أي نظام حيوي يجعله يتوقف تمامًا عن أداء وظيفته.

يقول د.مايكل بيهي أحد أقطاب التصميم الذكي: "الآن، لا يمكن للمرء أن يكون في كلا الاتجاهين. لا يمكن للمرء أن يقول كل من: إن التصميم الذكي غير قابل للتخطئة (أو غير قابل للاختبار) وأن يقول أيضًا إن هناك أدلة ضده. إما أنه لا يمكن تخطئته ويطفو بهدوء على الجانب الآخر للتخطئ التجريبي، وإما أنه يمكن انتقاده على أساس ملاحظاتنا، ومن ثم هو قابل للاختبار. وحقيقة أن المراجعين الناقدين يدفعون الحجج العلمية ضد التصميم الذكي (سواء بنجاح أم لا) تدل على أن التصميم الذكي هو في الواقع قابل للتخطئة".

“Now, one can’t have it both ways. One can’t say both that ID is unfalsifiable (or untestable) and that there is evidence against it. Either it is unfalsifiable and floats serenely beyond experimental reproach, or it can be criticized on the basis of our observations and is therefore testable. The fact that critical reviewers advance scientific arguments against ID (whether successfully or not) shows that intelligent design is indeed falsifiable.

http://www.discovery.org/a/445

لا يمكن تبسيط أي نظام حيوي مهما صغر، ولا يمكن إعطاء تفصيلات تدعم أن أي نظام حيوي هو نظام مبني بشكل تراكمي قابل للاختزال كما يزعم التطوريون. هذه هي ‏الحقيقة التي تدعمها الكيمياء الحيوية، وهذا هو صلب التصميم الذكي.

والرؤية التطورية في ‏المقابل كانت غالبًا ما تعجز عن إعطاء تفسير مفصّل لتكوّن أي نظام حيوي مما تفترض تكوّنه بشكل تراكمي، كما أن تفسيراتها المبسطة غير المفصّلة –‏ومن ثم غير العلمية لأن العلم يكمن في التفاصيل- تتناقض في أحيان كثيرة.‏

ونظرًا لهذا النقد الذي كثيرًا ما وُجِّه للتفسيرات التطورية فقد لجأ التطوريون في العقدين الأخيرين لمحاولة إعطاء تفصيلات أكثر للخطوات التراكمية التي تُكوِّن بعض الأنظمة الحيوية وفق تصوراتهم، وسنعرض تفصيلًا في مقال لاحق لبعض سيناريوهات التطوريين التي طرحوها لخطوات بناء بعض الأنظمة المعقدة كتخثر الدم، واعتراض التسقيل الذي يقدمونه للدفع بإمكانية أن يقوم التطور ببناء أنظمة معقدة عن طريق استغلال جزئيات كدعامات يتم الاستغناء عنها بعد ذلك، وسنرى كيف تنقص سيناريوهاتهم التفصيلات المنطقية كما هو متطلب في البحث العلمي.

أما بالنسبة للنظام الكوني فيكفي تغيير قيمة أحد الثوابت الكونية نظريًا لتثبت لنا المعادلات ‏الرياضية كيف سينهار الكون بأكمله.‏ وهذا يعني صمود فرضية التصميم الذكي أمام الفحص. فإن كانت هناك نظرية لا يمكن اختبار فرضياتها، وليست لها أي قيمة تفسيرية، وتحيل إلى المجهول؛ فهي التطور وليست التصميم الذكي.

الخلقوية

تعد الخلقوية، بنوعيها الإسلامية والمسيحية، أقدم تفسير لنشأة الأنواع الحية، وينبغي هنا التأكيد على أن الخلقوية لا تعطي تفسيرًا لخلق الأنواع الحية فقط، بل تتبنى ما جاءت به الكتب المقدسة عن خلق الكون ككل، وتتقبل فكرة التدرج في خلق الكون، والتدرج في خلق الأنواع الحية، وإن ترفض قبول العشوائية أو أي دور للصدفة في الخلق، وكذا ترفض أي دور للطبيعة وقوانينها في النشأة الأولى للأنواع الحية. من ثم يرفض الخلقويون فكرة تطور الأنواع بعضها من بعض، ويعتبرونه تأليهًا للطبيعة، وأكبر مصدر للكفر بالله.

يؤمن الخلقويون بالخلق الخاص للأنواع من قِبل الله عز وجل، ولكن كلا نوعيّ الخلقوية يستند إلى الإيمان بالله الخالق على أساس تعاليم القرآن أو الكتاب المقدس، لذا لا يمكن أن تُعد أي منهما نظرية علمية، فتفسيرهما للخلق يقوم على أساس ديني وحسب، وإن كان المؤمنون بالخلقوية يعتقدون أن ما ذُكِر في القرآن الكريم والكتاب المقدس عن الخلق لا يناقض حقائق العلم الثابتة؛ بل يتناقض فقط مع العلم الزائف، إلا أن هذا ليس كافيًا لتعد الخلقوية نظرية علمية لتفسير الخلق الأول.

بالرغم من ذلك فهناك شواهد علمية يرى الخلقويون المؤمنون أنها تدعم رؤيتهم عن الخلق الخاص للأنواع، أهمها آلاف الأنواع الحية التي توجد فجأة في الطبيعة دون مقدمات حتى يومنا هذا؛ إذ تخبرنا ملاحظة الطبيعة من حولنا أن آلاف الأنواع يتم تسجيلها سنويًا كأنواع جديدة لم ‏تُكتشف وتُصنف من قبل، فلا زال ‏العلماء يكتشفون أنواعًا جديدة من الفونا الحيوانية والفلورا ‏النباتية، لا ‏يوجد دليل على أنها تطورت من أنواع ‏أخرى.‏

وكذا الأنواع التي انقرضت ولا زالت تنقرض حتى يومنا هذا، فاحتمال من الاحتمالات التي وضعها الإنسان قد يصلح نظريًا أحيانًا لتفسير انقراض بعض ‏الأنواع، ولكنه لن يصلح لتفسير انقراض أنواع أخرى، فكل الفرضيات التي وُضعت من قِبل ‏العلماء لتفسير الانقراض لا تكفي لتفسير انقراض كل تلك الأنواع التي انقرضت قديمًا وحديثًا، ‏سواء كان التفسير مدعمًا بالأدلة أم مجرد فرضية، والأمثلة أكثر من أن تُحصى، كما أن كل ‏تلك الاحتمالات لا تستطيع تفسير ضعف معدلات تكاثر الأنواع التي تدخل في لائحة ‏الانقراض، ثم تنقرض.‏

من ثم فالملاحظات العلمية الموثقة تثبت أن الأنواع الحية تُخلق خلقًا خاصًا إلى يومنا هذا، وتفنى دون أن يتطور عنها نوع جديد. وسنتناول هذا الموضوع بالشرح تفصيلًا في مقال "الله الخلّاق".

كما يستدل الخلقويون بقدرة الأنواع الحية الفائقة على التكيف مع ظروف حياتها، والتي يعتبرونها تدعم الخلق الخاص من قِبل خالق حكيم عليم، وليس عبث الطبيعة.

التطور الموجه

نشأ اتجاه متوافق مع نظرية التطور على أساس ديني، وتحديدًا الدين الإسلامي، فهو مناهض للخلقوية الإسلامية أو المسيحية، يُعرف هذا الاتجاه باسم التطور الموجه. وتعد محاولة إسلامية لمجاراة ما طرحه فرانسيز كولينز رئيس مشروع ‏الجينوم البشري في كتابه ‏الشهير "لغة الإله".‏

والسمة الواضحة في أصحاب هذا الاتجاه أنهم جميعًا ليسوا علماء، بل ممن اشتُهر عنهم أنهم مفكرون إسلاميون إصلاحيون؛ ومن ثم لا قدرة لهم على فحص فرضيات التطوريين ولا الحكم على صحة ما يستدلون به؛ لذا يقبلون التطور لأن غالبية المجتمع العلمي الغربي يقبله.

يرى أصحاب هذا الاتجاه أن نشوء الأنواع وترقّيها من بعضها البعض هو أسلوب الله في الخلق، ومنطلقهم هو التصديق بحدوث التطور وفقًا لاستدلالات التطوريين. ونظرًا لإيمانهم بأن العلم لا يمكن أن يتعارض مع الدين، يقوم هذا الاتجاه على أساس إعادة النظر في آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن الخلق الأول للأنواع الحية، وتفسيرها بما يظهر اتفاقها مع التطور، ولا يقدمون أي استدلالات علمية مستقلة عن استدلالات التطوريين.

وهنا تبدو تأويلاتهم لآيات القرآن أشبه بتأويلات الباطنية؛ كونها تخرج الألفاظ عن معانيها الواضحة، وتُخرج الآيات إجمالًا عن سياقها؛ فآيات القرآن الكريم لا تذكر لنا أي شيء عن الأسباب فيما يخص الخلق الأول، والحديث عن الأسباب وتقدير الأقوات في الأرض وغيره لا يأتي ذكره إلا في مرحلة لاحقة من الخلق. بل وحتى في كثير من القصص القرآنية ذكر الله الخلق المباشر كأسلوب له في الخلق عندما يكون الأمر متصلًا به تعالى مثل قصتيّ عُزير وناقة صالح. والله سبحانه وتعالى أخبرنا أنه يبدأ الخلق ثم يعيده، ونموذج التطور عبر ملايين السنين لا يمكن أن يكون هو الحادث عند إحياء الموتى للقيامة، أم أننا يوم القيامة سنُخلق بالخلق الخاص بينما خلقنا ابتداءً بالتطور وعبر قوانين أودعت في الطبيعة العمياء؟!

كما أن اعتبار أن النشأة الأولى لا بد وأن تكون تمت بقوانين كالتي خلقها الله لتحكم حياتنا الآن، هي محاولة لحصر قدرة الله تعالى وتضييقها في أن الله سبحانه وتعالى لا يخلق سوى بالأسباب حصرًا. وكأن الله قد أوجد القوانين لنفسه، بينما هو أوجدها لنا؛ لأنها وسيلة لضبط حياتنا! وهو شكل من أشكال قياس الله تعالى علينا، والخالق لا ننزله لمقام المخلوق. والأمر أشبه برئيس الدولة الذي ليس بحاجة ليبرئ متهمًا ويعفُ عنه، وكونه يترك الأمر للتقاضي فهذا لأجل تنظيم مصالح الناس، أما إن قرر أن يبرئ متهمًا فلا حاجة له بالقوانين.

كما لا يتحرّج أصحاب هذا الاتجاه في محاولة إيجاد تناسق بين التطور والإيمان بالله من ترويج أننا مخلوقون بتصميم معيب؛ لأن ‏الكمال لله وحده، بينما المنطق يقول إنه لا يمكن للحكيم العليم أن ينتج تصميمًا مشوهًا معيبًا.‏ ورغم أن كل ما ادّعاه التطوريون من عيوب تصميمية وأشهرها العصب الحنجري الراجع مردود ‏عليها، وثبت علميًا قصر نظرهم في ادعاءاتهم، إلا أن دُعاة التطور الموجه المسلمين لا زالوا يُصدّقون على كلام التطوريين‏؛ إذ لا يفرق التطوريون بين ما ‏يسمونه عيوب التصميم التي يعيبون فيها على الخالق وينتقصون من عظمته وإبداعه، وبين ‏حدوث ‏بعض ما شاعت تسميته بالعيوب الخلقية للجنين منذ الميلاد، بل ‏وأحيانًا لا يميزون بينها ‏وبين المرض ويعتبرونه عيبًا.‏ فهذه مغالطة واضحة. ولي مقال مفصل في الرد على ما ادعوه من عيوب في تصميم جسم الإنسان.

ولا أرى تعارضًا بين جودة التصميم، وقابليته للعطب بعد ذلك؛ فتصميم الله سبحانه وتعالى لكل عضو ‏يكون في أعلى وأفضل جودة وفقًا ‏للوظيفة التي أوجده ليؤديها، ‏ولكن الله لم يخلقنا لنخلد، بل لنعيش على الأرض فترة نُبتلى فيها ‏ثم ‏نفنى، ويأتي بقوم غيرنا. ومن ثم، فهذا الكيان المصمم بطريقة ‏رائعة عُرضة لأن يعطب سواء كان ‏هذا العطب ناشئًا من لحظة ‏الميلاد، وهو ما يسميه الناس عيوبًا خلقية، أو بعد الميلاد خلال ‏مشوار ‏حياته، فيما يعرف بالمرض.‏ ويمكن التشبيه بسيارة ذات تصميم مثالي، ومع ذلك قد يحدث ‏فيها خطأ أو عجز سواء من ‏المصنع أو بسبب الاستخدام حتى ‏تتكهن في آخر المطاف بعد سنوات.‏ ومن يعرف حقيقة الحياة والغرض من وجوده فيها لا يسأل عن ‏سبب مشكلة لازمته من لحظة ‏ميلاده ولا مرض ولا موت. أنت ‏لم تُخلق لتُعمر في الأرض. أنت وُجدت فيها لتُبتلى ثم ‏تُحاسب ‏وتُجازى وتبدأ بعدها حياتك الحقيقية.‏ والعجيب ليس أن يتبنى تصور عيوب التصميم ملاحدة؛ بل أن يتبناه مؤمنون بالله!

والإشكال الأساسي أن أصحاب هذا الاتجاه يظنون أن وضعهم فرضيات نظرية التطور جنبًا إلى جنب مع فرضية وجود خالق للكون لا تتعاكس، ويجعل من اتجاههم نظرية علمية أو هو نظرية التطور معدّلة! هؤلاء لا يفهمون أن ما يضعونه من فرضية توجيه الخالق لعمل آليات التطور (الانتخاب الطبيعي- الطفرة-...) يفقد فرضيات التطور اتساقها؛ ومن ثم يفقدها أي محاولة للزعم بعلميتها؛ فالفروض التي يضعها أصحاب هذا الاتجاه هي فروض تفتقد الاتساق، على العكس من فرضيات التطوريين أو أصحاب التصميم الذكي.

وعلى العكس منهم فإن ريتشارد دوكينز زعيم الملاحدة، على سبيل المثال، يفهم جيدًا حقيقة التعارض بين افتراض التطور كأسلوب لنشوء الأنواع وافتراض وجود إله؛ فالتطور يناقض وجود إله تمامًا، لأنه يحيل مهمة الخلق إلى الطبيعة بصدفها العشوائية التراكمية، والتي لن ينجح الانتخاب الطبيعي الحكيم في إقناع أي شخص يؤمن به بحتمية وجود إله.

إن محاولة جمع النقيضين والإيمان بتطور موجه من إله عاجز يفتقد القيّومية على عملية الخلق، ويفتقد الحكمة والعلم، أغلب البشر لا يقبلونها لسببين:

الأول، إله بهذه الصفات كالرئيس الشرفي، ومن ثم فإن ألوهيته مطعون فيها. وهذا ما يجر المؤمنون بالتطور إلى الإلحاد؛ لأنهم شيئًا فشيئًا سيسألون: "الطبيعة تفعل، فأين الله؟".

والثاني، ليست هذه صفات الله كما عرّف نفسه إلينا؛ لهذا يرفض المؤمنون التطور جملة وتفصيلًا؛ لأنه يعطي صورة مشوهة عن الله، ويعدون الإيمان بالتطور الموجه إلحادًا في أسماء الله.

الاتجاه الثالث

أصحاب هذا الاتجاه كانوا من دُعاة نظرية التطور الجديدة حتى سنوات قريبة. ولكن نظرًا لظهور أدلة علمية كثيرة تدحض في فرضيات نظرية التطور، يبدو أنهم قد شعروا بضرورة البحث عن فرضيات جديدة تُفسِّر نشوء الأنواع الحية، تخالف فرضيات نظرية التطور، مع تأكيدهم على عدم قبولهم فرضيات نظرية التصميم الذكي مطلقًا، كونه يفترض وجود قوة خارقة للطبيعة تدخلت في النشأة الأولى للأنواع، وهذا من وجهة نظرهم منظور غير علمي.

يمكن اختصارًا القول بأنهم يوافقون على أن يكون التطور هو الشكل الذي نشأت من خلاله الأنواع الحية، ولكنهم لا يوافقون على فرضيات نظرية التطور ذاتها، ويعترفون بقصورها؛ فالتطور –وفقًا لهم- حقيقة، وجاري البحث له عن أدلة علمية بديلة، وافتراض فرضيات تتكيف معها! وهو تصور يكاد يكون مناظرًا لما يقوم به أصحاب التطور الموجه من المسلمين الذين يرون التطور حقيقة، ويبحثون عما يدعمه من الدين!

يقول أصحاب هذا الاتجاه على موقعهم الرسمي: "قام بعض الداروينيين الجُدد بترقية الانتخاب الطبيعي إلى قوة إبداعية فريدة من نوعها تحل جميع المشاكل التطورية الصعبة دون أساس تجريبي حقيقي. يرى العديد من العلماء اليوم الحاجة إلى استكشاف أعمق وأكثر اكتمالًا لجميع جوانب العملية التطورية".

“some Neo-Darwinists have elevated Natural Selection into a unique creative force that solves all the difficult evolutionary problems without a real empirical basis. Many scientists today see the need for a deeper and more complete exploration of all aspects of the evolutionary process.

http://www.thethirdwayofevolution.com/

ويمكن القول إنها محاولة علمية لتفسير نشوء الأنواع، مثل التطور والتصميم الذكي، ولكنها لم تتبلور بعد، ولم تجد تجاوبًا كبيرًا من المجتمع العلمي الذي إما يُصر على التطور مهما تآكلت وتهاوت أدلته، وعجزت فرضياته عن التفسير، وإما يُقر أن سقوط التطور يعني أن هناك تصميمًا ذكيًا للأنواع منذ نشأتها الأولى، ومحاولة ترقيع نظرية التطور لن تفيد.

وطعون التطوريين أنفسهم في فرضيات نظرية التطور في السنوات الأخيرة بلغت مداها. على سبيل المثال: في أحد أعداد يناير/ كانون الثاني 2009، من مجلة New Scientist، ظهرت شجرة التطور على الغلاف، مكتوبًا عليها أن دارون كان مخطئًا! وفي داخل العدد كانت افتتاحية تتحدث عن "اقتلاع شجرة دارون"، ومقال آخر يعرض الأسباب التي بسببها اعتُبر دارون مخطئًا لافتراضه وجود تلك الشجرة.

https://www.newscientist.com/article/mg20126923-000-editorial-uprooting-darwins-tree/

https://www.newscientist.com/article/mg20126921-600-why-darwin-was-wrong-about-the-tree-of-life/

ووفقًا للبروفيسور فورد دولتل في مقال شهير له على Scientific American فإنه يشكك في أن تاريخ الحياة ربما لم يكن شجرة من الأساس كما اقترح دارون!‏

Doolittle, W. Ford (February, 2000). Uprooting the tree of life. Scientific American 282 (6): 90–95.

ومعروف أن شجرة التطور أو "شجرة الحياة" هو مفهوم اقترحه دارون لشرح العلاقات التطورية بين الأنواع المختلفة كما افترضها؛ فهي تتتبع تسلسل نشوء الأنواع الحية من بعضها وصولًا للإنسان. وحتى لا نطيل ونخرج بالمقال عن سياقه –ولنا حديث مفصل في مقال "شجرة التطور"-، فقد اتضح للعلماء بشكل قاطع أن قرب وبعد الأنواع المفترض على شجرة التطور لا يظهر بشكل ‏واضح من دراسة ‏DNA‏‏، كما اتضح وجود علاقات بين الأنواع مع أنواع أخرى بعيدة تمامًا على شجرة التطور، وهو ما لا يدعم فكرة التطور الرأسي من السلف المشترك والتفرع منه. وأصبح يُعرف بالتطور الأفقي أو المتقارب، ويعزون ذلك للبيئات المتشابهة التي تنتج بنى متشابهة بسبب الضغط الانتخابي المتشابه رغم أن الحيوانات ذاتها مختلفة!

من ثم فقد صار كثير من التطوريين يعتقدون أن هذه الشجرة ذات الجذر الواحد والتفرعات الرأسية المحددة لا تعطي صورة كاملة عن تطور الحياة ولا تستطيع أن تفسر التعقيدات فيها، وهناك توجه قوي نحو ضرورة اقتلاعها، ومحاولة إيجاد تفسيرات أخرى تطورية للعلاقات ‏بين الأنواع الحية، وقد اقترح دوليتل الشكل الشبكي ذا الجذور المتعددة والتفرعات الأفقية بجانب التفرعات الرأسية، مع محاولة الإبقاء على شكل الشجرة ما أمكن! وفي رأيي أنه سيكون أكثر توافقًا مع ‏عشوائية التطور ونتائجهم المتضاربة.‏

وعلى موقع أصحاب الاتجاه الثالث، نجد محاولات لتوضيح معلومات عن البيولوجيا الجزيئية وتسلسل الجينوم التي يرون أنها توفر إجابات بديلة لكيفية نشأة الأنواع الجديدة عما تقدمه نظرية التطور، وإن كان من الواضح أن الإجابات جاري البحث عنها، فلم يتم التوصل إليها تحديدًا بعد.

وأصحاب هذا الاتجاه، وكما طعنوا فيما أضفاه بعض الداروينيين الجُدد Neo-Darwinists من قوة خارقة على الانتخاب الطبيعي، فهم أيضًا يطعنون في الطفرة! وهما آليتا نظرية التطور، كما هو معلوم. وفيما يخص الطفرات، يذكر الموقع أن "سجل الحمض النووي لا يدعم التأكيد على أن الطفرات العشوائية الصغيرة هي المصدر الرئيسي للتنوعات الجديدة والمفيدة".

“The DNA record does not support the assertion that small random mutations are the main source of new and useful variations.

ولا نجد من يخبرنا في المقابل عن المصدر المقترح الذي يدعمه سجل الحمض النووي؛ فهم لا يبرحون يتحدثون عن الطفرات ولكن بطرق أخرى، وأهمها التضاعف الجيني.

وفي رأيي المتواضع إن ظهور الاتجاه الثالث هو نجاح لأصحاب نظرية التصميم الذكي؛ لأنه يمثل اعترافًا طال انتظاره بقصور فرضيات نظرية التطور، واقتلاع شجرته.

 

فهرس مقالات مدونة نقد التطور- د/منى أبو بكر زيتون

مقالات مدونة نقد التطور مجموعة في كتاب بعنوان "الإلحاد والتطور.. أدلة كثيرة زائفة" يمكن تحميل نسخة pdf عبر الرابط https://p...